كيف أكون طبيبة ناجحة وقد فرطت في الدراسة لسنوات؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا في السنة الثالثة من الطب، لكنني لم أكن أذاكر في السنوات الماضية، ولم أستطع فتح أي كتاب، أو الجلوس لساعات للدراسة، أحس أنني ضيعت سنينا من عمري، وضيعت نفسي ومستقبلي، فكيف سأكون طبيبة ناجحة وقد فرطت في المذاكرة؟

أنا نادمة الآن؛ لأننا في (الكلينكال)، ولا أستطيع أن أفهم جيدا بسبب أنني لم أدرس الأساسيات، وفقدت الشغف، وعندي اكتئاب وخوف من المستقبل، والآن في شهر رمضان عندي امتحانات، ولا أستطيع أن أذاكر، والوقت يمر دون أن أفعل أي شيء.

أنا في بلد آخر، وبعيدة عن أهلي، وهم يظنون أنني أدرس جيدا، وضميري يعذبني.

المشكلة ليست في الطب فقط، بل في كل شيء؛ فعندما أبدأ دراسة علم شرعي أو أي برنامج فإنني لا أستطيع أن أذاكره أو أسمعه، فما هي مشكلتي؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سائلة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

شكرا لتواصلك، وطلب الاستشارة -ابنتنا الكريمة-، ونحييك أولا على ما وصلت إليه من تفوق أهلك لدراسة الطب؛ فهذه الدراسة ليست بالأمر السهل، وهي أمنية كثير من الشباب والفتيات الذين يتطلعون لخدمة الناس، وتخفيف آلامهم، ووصولك إلى السنة الثالثة في هذا التخصص يدل على قدر من القدرة والاجتهاد في الأصل؛ لأن الطريق إلى كلية الطب يحتاج إلى ذكاء ومثابرة، ولذلك فوجودك في هذا المسار في حد ذاته أمر يستحق التقدير، ولا ينبغي أن تنسي هذه الحقيقة، وأنت تنظرين إلى ما مر بك من تعثر.

ومن الجيد أيضا أنك تشعرين الآن بالندم، وتأنيب الضمير على التقصير في المذاكرة خلال السنوات الماضية؛ فهذا يدل على ضمير حي، ويقظة داخلية، وهو أمر إيجابي في حقيقته؛ لأن الإنسان الذي يشعر بالخطأ، ويحاسب نفسه يكون أقرب إلى الإصلاح، ممن يبرر تقصيره أو يتجاهله.

ومن المهم أن تدركي أن ما حدث لا يعني أنك غير قادرة على الدراسة أو الفهم، وإنما يعني أنك لم تقومي بواجبك في المذاكرة كما ينبغي في تلك الفترة، وهذا فرق كبير؛ لأن القدرة موجودة -بإذن الله-، وما يحتاج إلى التغيير هو طريقة التعامل مع الدراسة والانضباط في تحصيل العلم.

ولا يزال أمامك وقت وفرص كثيرة لتدارك ما فات؛ فالعمر ما زال في بدايته، والمرحلة التي أنت فيها يمكن تعويض الكثير مما فات فيها إذا وجدت الإرادة الصادقة، وبدأت بخطوات عملية.

وكثير من الطلاب مروا بمرحلة فتور أو تقصير في سنوات الدراسة الأولى، ثم تنبهوا لأنفسهم، واستطاعوا أن ينهضوا ويحققوا نجاحا ملحوظا بعد ذلك، ولهذا فمن المهم ألا تبقي أسيرة الشعور بالذنب، أو الخوف من المستقبل؛ لأن هذه المشاعر إذا استمرت دون عمل قد تتحول إلى عائق يمنعك من التقدم.

ولعل من الأمور التي تخفف عنك هذا الضغط النفسي أن تشاركي أسرتك بما تمرين به؛ فإخبار الأهل بالحقيقة -ولو بصورة معتدلة– قد يكون معينا كبيرا لك؛ لأنهم الأقرب إلى قلبك، وغالبا ما يكون دعمهم وتشجيعهم سببا في استعادة التوازن.

ونذكر بأن البعض من الطلاب الذين يدرسون بعيدا عن أهلهم يشعرون بثقل المسؤولية عندما يظنون أنهم يجب أن يظهروا دائما بصورة النجاح الكامل، بينما المشاركة الصادقة مع الأسرة قد تمنح الإنسان شعورا بالراحة، وتخفف عنه العبء.

كما أن ما تشعرين به من حزن وفقدان للشغف قد يكون مرتبطا بحالة من الضغط النفسي، أو الاكتئاب، خاصة إذا استمر هذا الشعور فترة طويلة، وأثر على قدرتك على القيام بالمهام اليومية، وفي مثل هذه الحالات لا حرج أبدا في مراجعة مختص نفسي؛ فالمساعدة المهنية قد تكون مفيدة في فهم ما تمرين به، وتعلم طرق عملية للتعامل مع القلق، وفقدان الدافعية.

ولا تحملي نفسك كل هذه الضغوط وحدك؛ فالتعبير عما في داخلك لشخص تثقين به –صديقة قريبة، أو أخت، أو قريبة أمينة– قد يكون وسيلة مهمة لتخفيف التوتر والقلق، فالإنسان أحيانا يحتاج فقط إلى من يسمعه، ويفهمه، ليشعر ببعض الراحة، ويستعيد قدرته على المواصلة.

أما من الناحية العملية:
فحاولي أن تبدئي بخطوات صغيرة وبسيطة بدلا من التفكير في كل ما فات دفعة واحدة؛ فابدئي مثلا بوقت دراسة قصير يوميا، كساعة أو ساعتين فقط، مع هدف محدد وواضح، ثم زيدي الوقت تدريجيا؛ فالإنجاز الصغير يولد شعورا بالقدرة، وهذا الشعور بدوره يدفع إلى إنجاز أكبر، ومن الأخطاء الشائعة أن ينتظر الإنسان الحافز أولا حتى يبدأ، بينما في الحقيقة أن الحافز كثيرا ما يأتي بعد البدء والعمل، لا قبله.

ومن المفيد كذلك أن تضعي خطة بسيطة لمراجعة الأساسيات التي تشعرين بضعف فيها، ولو بصورة تدريجية؛ فالفهم يتراكم مع الوقت، ولا يلزم أن يحدث دفعة واحدة، وحاولي أيضا تغيير مكان أو أسلوب الدراسة إذا كان ذلك يساعدك، كالدراسة مع زميلة جادة، أو في مكتبة هادئة؛ فوجود بيئة مناسبة قد يرفع مستوى التركيز.

ولا ننسى الجانب الإيماني الذي يمنح القلب طمأنينة كبيرة، خاصة ونحن في أيام مباركة من شهر رمضان؛ فالقرب من الله بالطاعات، والمحافظة على الصلاة، والإكثار من الدعاء، وقراءة القرآن، كلها أمور تريح النفس، وتمنحها قوة داخلية على مواجهة الصعوبات، وقد يجد الإنسان في لحظات السكون مع الله طاقة جديدة تعينه على ترتيب حياته من جديد.

تذكري دائما أن الطريق لم ينته، وأن ما مضى من تقصير يمكن أن يتحول إلى درس يدفعك إلى الاجتهاد في المستقبل، فكثير من قصص النجاح تبدأ بلحظة صادقة يراجع فيها الإنسان نفسه، ويقرر أن يبدأ من جديد، وربما تكون هذه اللحظة التي تمرين بها الآن هي بداية مرحلة أكثر نضجا وجدية في حياتك العلمية والشخصية.

أسأل الله أن يشرح صدرك، وييسر أمرك، ويبارك في علمك، ويجعلك طبيبة ناجحة نافعة للناس.

مواد ذات صلة

الاستشارات