السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أرجو لكم الخير جميعا، وبالتوفيق والسداد والبشارة المفرحة لكم جميعا.
أريد أن أسألكم شيوخنا الأفاضل عن زوجة وأم ضحت من أجل أبنائها، وربتهم تربية حسنة حتى كبروا وتخرجوا، وبقي الصغير لا يزال يدرس -وفقه الله-.
كان زوجها غائبا لمدة ثمان سنوات؛ يرسل المال ولكن لا يستطيع الدخول إلى بلده، بسبب إفلاس شركته وديون عجز عن تسديدها.
قدر الله أن تلتحق به الزوجة بعد عشر سنوات مع ابنها الصغير، فوجدت زوجا آخر قد تطبع بأخلاق أهل البلد الذي انتقل إليه؛ لأنهم غير مسلمين، فأصبح أنانيا بلا رحمة ولا حنان، لا تهمه إلا مصلحته الشخصية وعلاقته الجنسية؛ فهو ينفق ولكن بمن كبير، وبأعصاب محروقة تجاه الزوجة.
والأمر الصعب أن الأبناء الذين ضحت من أجلهم قد خببهم عليها؛ لأنه كان يغار من نجاحها وعقلها الراجح وصبرها، فعوضا عن أن يشكرها ويحتضنها، صار يخبب عليها أبناءها، وينفث سمومه فيهم كلما وقع سوء تفاهم بينها وبينهم؛ لأنهم لم يعودوا يحبون أن توجههم أو تتدخل في حياتهم حينما استقلوا ماديا وبحياتهم الخاصة، وذلك بسبب الأب الذي يرسخ في أذهانهم أن أمهم مخطئة وتريد التحكم فيهم، ويوصيهم ألا يهتموا بها ويعتبروها قد كبرت وأصبحت "شخصية سامة".
وضعت الزوجة في عزلة كبيرة؛ فالزوج لا يشاركها أخباره حتى تسمعها من الناس، والأبناء استقلوا بذواتهم إلا ابنة واحدة كانت حنونة على أمها وبارة بها، فتوفاها الله وهي في عز شبابها بعد تخرجها من جامعة مرموقة، وكانت تلك الفتاة تحفظ القرآن ومتدينة وبارة، فكانت صدمة الأم كبيرة جدا.
أحيانا تفتش الزوجة هاتف زوجها لتعلم أخباره عن طريق شركائه وما يتداولونه من أخبار، وأحيانا تكف عن ذلك، لقد حارت هذه الزوجة، وأحيانا تتمنى لو أنها لم تولد؛ فقد أصبحت حياتها عزلة عن الحنان والحضن الأسري، وهي في بلاد غربة وسط مسيحيين لا يفقهون لغتها ولا عاداتها.
هناك الكثير ولكن المجال لا يتسع، وباعتباركم خبراء وأهل ثقة، ما هي توجيهاتكم لهذه الزوجة المكلومة؟ كيف تتصرف، وقد حاولت مرارا ولكن لم يتحسن أي شيء؟!
والذي آلمها كثيرا هم الأبناء الذين ينتقدونها كثيرا ويحملونها نتيجة صبرها، وعلى حد قولهم: "صبر على الذل لسنوات"، والحل في نظرهم هو اهتمامهم بخاصة أنفسهم.
أرجوكم أفتوني في هذه المعضلة، وجزاكم الله خيرا كثيرا.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ منال حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يجبر قلب هذه الأم جبرا يليق بكرمه، وأن يعوضها عن صبرها خيرا، وأن يكتب لها نورا بعد هذا الضيق، وسعة بعد هذه العزلة.
ودعينا نجيبك من خلال ما يلي:
1- أول ما ينبغي أن يثبت في قلب هذه الزوجة: أن ما فعلته من تضحية وتربية وصبر ليس ذلا ولا ضعفا، بل عبادة عظيمة، والله سبحانه لا يضيع دمعة أم، ولا تعب سنوات ﴿إن الله لا يضيع أجر المحسنين﴾، فليست المشكلة أنها صبرت، بل المشكلة أن من حولها لم يقدروا قيمة هذا الصبر، والفرق بين الاثنين كبير، لكن العزاء أن الله يعلم السر وأخفى هو من سيتولى أجرها.
2- تغير الزوج بعد الغربة أمر يتكرر كثيرا، فالبيئة تؤثر، والإنسان إذا عاش سنوات في مجتمع مادي فردي قد يتشرب طباعا من غير أن يشعر، لكن هذا لا يبرر القسوة، ولا التخبيب، ولا بث السموم في قلوب الأبناء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خيركم خيركم لأهله، فالمقياس الحقيقي للأخلاق يظهر في البيت لا خارجه.
3- تخبيب الأبناء على أمهم خطأ جسيم؛ لأنه يزرع فيهم عقوقا مقنعا، ويحول الأم من مصدر أمان إلى خصم، لكن هنا ينبغي أن تنتبه الأم إلى أمر مهم: الأبناء حين يستقلون ماديا ونفسيا يمرون بمرحلة انفصال عن السلطة الأبوية، فيبالغ بعضهم في رفض التوجيه، ويظن أن كل نصيحة تدخلا، فلا يكون كل نفورهم نتيجة سموم الأب فقط، بل أيضا نتيجة مرحلة عمرية واستقلال جديد.
4- لا يصح أن تظل الأم تحاول إدارة حياتهم كما كانوا صغارا، فدور الأم مع الأبناء الكبار يتحول من التوجيه المباشر إلى الاحتواء والدعم، ومن الأمر والنهي إلى المشورة عند الطلب، فإذا قللت من الاحتكاك في تفاصيل حياتهم، قد يخف الاحتقان تدريجيا.
5- أما الزوج، فالتفتيش في هاتفه، وإن كان بدافع معرفة الحقيقة، فغالبا يزيد الألم، ولا يعالج المشكلة؛ لأن الأصل في العلاقة الزوجية هو المصارحة الهادئة لا التتبع الخفي، وإذا كانت تشعر بالإهمال، فلتصارحه بهدوء عن حاجتها إلى الكلمة الطيبة والمشاركة، لا من باب الاتهام، بل من باب الاحتياج الإنساني.
6- صدمة فقدان الابنة البارة جرح عميق لا يلتئم بسهولة، ومن الطبيعي أن تشعر بعدها بفراغ أشد؛ لأن تلك الابنة كانت سندها العاطفي، لكن عليها أن تستحضر أن هذه الابنة سبقتها إلى الله، وأن برها سيبقى لها نورا وشفاعة، وأن لقاء الآخرة أعظم وأدوم من لقاء الدنيا.
7- قولها أحيانا: ليتني لم أولد مؤشر على إنهاك نفسي شديد، وهنا يجب أن تنتبه إلى أن اليأس ليس حلا، وأن الشيطان يستثمر لحظات الوحدة ليضخم الألم، والله قال: ﴿لا تقنطوا من رحمة الله﴾، فوجودها في الحياة ليس عبثا، بل لها رسالة، والابتلاء سنة عامة لا ينجو منه أحد، وكلما عظم الشخص عند الله منزلة كثر البلاء، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل).
8- في الغربة، العزلة تقتل الروح، لذلك من الضروري أن تبحث عن بيئة نسائية مسلمة ولو محدودة، حلقة قرآن، نشاطا خيريا، تواصلا منظما مع أهلها عبر الاتصال المرئي، أي شبكة دعم تقلل شعورها بأنها وحيدة.
9- لا تربط كرامتها بتقدير الزوج أو الأبناء؛ لأن من ربط قيمته بنظرة الناس عاش أسيرا لهم، فقيمتها ثابتة عند نفسها بما قدمت، وبما حفظت من بيتها وأبنائها، وبما صبرت عليه، وهذه حقيقة يجب أن تكررها لنفسها حتى تستعيد توازنها الداخلي، ثم الأجر الأعظم هو عند الله عز وجل.
10- إن استمر الزوج في القسوة والإهمال، فلها أن تطلب جلسة صريحة معه، تبين فيها أن النفقة وحدها لا تكفي، وأنها تحتاج إلى المعاملة بالمعروف، كما أمر الله تعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾، فإن استجاب فالحمد لله، وإن لم يستجب فلتخفض سقف توقعاتها منه، وتقوي علاقتها الخاصة بأبنائها، وبعبادتها وأعمالها، وعلاقتها بالله عز وجل، وعليها أن تجتهد في تحسين علاقة زوجها بدينه عن طريق الحديث الودود والرسائل غير المباشرة، وإن كان من أصحابه أو من أهله من له حديث معه، فلتعمق ذلك، مع الدعاء له بالهداية والصلاح.
11- تجديد الحياة لا يبدأ بتغيير الآخرين، بل بتغيير زاوية النظر، أن تتحول من ضحية إلى فاعلة، من منتظرة للحنان إلى صانعة له، أن تصنع لنفسها برنامجا يوميا من عبادة وعلم، ورياضة ومشي، واهتمام بنفسها، فالروح إذا أنست بالله خف وقع الجفاء البشري.
وأخيرا: إن صبرها ليس ذلا، بل قوة، لكن القوة تحتاج أحيانا إلى حدود واضحة، فلا تسمح بالإهانة، ولا تدخل في صراعات يومية، بل تختار معاركها بعقل، وتسكت عما لا يستحق، وتتحدث عما يمس كرامتها.
نسأل الله أن يربط على قلبها، وأن يعوضها عن ابنتها خيرا، وأن يصلح زوجها وأبناءها، وأن يجعل غربتها رفعة لا كسرا، وأن يبدل وحدتها أنسا به، وأن يكتب لها سعادة لا يملكها أحد غيره، والله الموفق.