السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
عندي أمر محير في حياتي، ولا أعلم أي طريق أختار! أنا أم لأربعة أطفال، أكبرهم 8 سنوات، وأصغرهم عمره شهران، متزوجة منذ عشر سنوات، وحياتي كأي ربة منزل بين مسؤوليات البيت، والزوج، والأطفال.
منذ خمسة أشهر تم تعييني في وظيفة حكومية، وكنت وقتها حاملا في الشهر السابع بطفلي الصغير، فذهبت وباشرت عملي، وكان العمل في مؤسسة حكومية، وفيها اختلاط بين الرجال والنساء، وكان الدوام طويلا 6 أيام في الأسبوع، بمعدل 7 ساعات في اليوم، لذلك شعرت بضغط شديد من ساعات الدوام الطويلة، وعدم وجود عطلة إلا يوما واحدا فقط، ومع مسؤوليات البيت والأطفال، وتدريسهم، ومن ثقل التقدم في الحمل، والأهم من ذلك الاختلاط الذي كان يمثل أكبر تحد بالنسبة إلي؛ فمهما حاولت تجنب ذلك إلا أنه يبقى هناك اضطرار للاختلاط والتعامل مع الرجال، وكان هذا الشيء يزعجني حتى لو كان في حدود العمل.
فقررت الاستقالة حتى أحافظ على ديني، وعلى مبادئي، وعلى القيام بمسؤولياتي الأساسية، إلا أنني أجلت الاستقالة لظروف زوجي المادية؛ فقد كان في تلك الفترة يمر بظروف مادية صعبة، وكان قد تقاعد مؤخرا من عمله، ولم يجد عملا بديلا؛ لأن الراتب كله ديون والتزامات، وكان ينتظر مبلغ نهاية الخدمة الذي سيحصل عليه بعد ثلاثة أشهر تقريبا، فقررت الصبر على الوظيفة، خصوصا أنني كنت أنتظر مولودي، وسوف آخذ إجازة أمومة مدفوعة الأجر لمدة 3 أشهر، وبهذه الطريقة أستطيع مساعدة زوجي لحين حصوله على المبلغ الذي ينتظره.
وفعلا ضغطت على نفسي لمدة شهرين في العمل، ومن ثم أنجبت طفلي، وتم إعطائي إجازة مدفوعة الأجر، واستطعت مساعدة زوجي بالمصاريف والالتزامات الشهرية المترتبة عليه، وفي هذا الشهر حصل زوجي على المبلغ المالي الذي كان ينتظره، وسدد جزءا من ديونه والتزاماته، إلا أن التزامات الأطفال والبيت لا تنتهي، وبحث عن عمل خلال هذه الفترة ولم يجد.
الآن بقي القليل، وتنتهي الإجازة، وأعود إلى العمل، لكنني في حيرة شديدة من أمري؛ حيث إن الراتب ساعدنا كثيرا، وغطى التزامات لولا وجود الراتب كنا اضطررنا للدين.
هل أستمر في هذه الوظيفة، والبقاء على راتبي الذي سيساعدنا، ويغطي التزاماتنا، ومتطلبات البيت والأولاد الشهرية، ولكن في المقابل هناك اختلاط، وخروج ميداني مع موظفين رجال، وأحيانا أكون لوحدي معهم، وأيضا غيابي الطويل عن البيت، وترك أطفالي ما بين بيت الجد والعم؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ دينا حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -أختنا العزيزة- في استشارات إسلام ويب، نشكر لك تواصلك بالموقع، ونشكر لك أيضا كل جهودك التي قدمتها في سبيل إعانة زوجك، وإعانة أسرتك، وهذه الأعمال كلها في ميزان أعمالك؛ فإن الله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملا.
وننصحك بأن تكوني مستحضرة لنية التقرب إلى الله تعالى بهذا العمل حتى يزيد الأجر، ويعظم الثواب، وإلا فالإحسان إلى الناس الله تعالى يجعل فيه خيرا كثيرا للإنسان ولو لم ينو، لكن إذا نوى بذلك التقرب إلى الله تعالى صار عمله هذا عبادة.
فكوني على ثقة من أن جهودك هذه محفوظة لك في صحائف أعمالك، وأن زوجك وأولادك هم أولى من تعينينهم وتنفقين عليهم إذا قدرت، وقد قال الرسول ﷺ: (أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله)، هذا بالنسبة للرجل، والمرأة من باب أولى لأنها في الأصل لا تجب عليها النفقة، فإذا أنفقت كان ثوابها أعظم وأجرها أكبر.
وقد أحسنت حين أجلت تقديم الاستقالة حتى تتضح لك الأمور، وحتى تنجلي عنكم هذه الكربة، وهذا من توفيق الله تعالى لك، ما دام أن عملك لا يتضمن شيئا محرما، مثل: خلوة الرجل بالمرأة، ومثل وضع الحجاب أمام الرجال الأجانب، ونحو ذلك من المحرمات.
أما مجرد عمل المرأة إذا كانت ملتزمة بالضوابط الشرعية فهو جائز، وإن لم يكن هو الأفضل، لكن هو خاضع لحاجة المرأة للعمل، وحاجة المجتمع لعمل المرأة؛ فلا ينبغي أن يكثر منك التردد، بل ينبغي أن تقارني بين الأمور، وأهم شيء قبل هذه المقارنة أن يكون عملك هذا خالصا من وقوعك في محرمات.
فإذا لم تقعي في محرمات مثل التي ذكرنا قبل قليل، وبقي فقط مسألة اختلاط المرأة بالرجال، فإذا كان الاختلاط معه ضوابط الشريعة الإسلامية، لا تحصل خلوة، ولا يحصل تكسر من المرأة في كلامها مع الرجال الأجانب، أو كلام يثير الغرائز، أو وضعها لحجابها وإبداء شيء من زينتها أمامهم، فإذا لم يحصل شيء من هذه المحظورات فعملها مباح في الأصل، ولكن هل هو الأفضل أم لا؟ هذا خاضع للمقارنة بين الحاجة لهذا العمل، وإمكان الاستغناء عنه.
فإن وظيفة المرأة الأساسية التي هي الأمومة، وأن تكون ربة بيت، فوظيفتها الكبرى هي تنشئة الأطفال وتربيتهم، وهذه وظيفة ليست سهلة، وتحتاج بلا شك إلى جهود كبيرة، وتفرغ كبير؛ فهي صناعة للإنسان، لكن قد تضطر النساء بسبب الحاجة أحيانا للخروج، فإذا خرجت المرأة نقول لها: اخرجي خروجا لا تقعين فيه في آثام وذنوب.
وربما تتحملين شيئا من المعاناة والضغوط لفترة معينة، ويجعل الله تعالى فرجا وتيسيرا لزوجك، ما دام جادا في البحث عن العمل، ولعل الله تعالى يرزقه وييسر له؛ فإن الله تعالى كريم وهاب، ننصحكم بالأخذ بأسباب الرزق، ومن أهمها: التوبة والاستغفار، والإكثار من دعاء الله تعالى، مع الأخذ بالأسباب الحسية، وستصلون -بإذن الله تعالى- إلى فرج قريب.
نسأل الله أن يقدر لنا ولكم الخير ويقضي لنا ولكم كل حاجاتنا، إنه جواد كريم.