السؤال
السلام عليكم.
أنا فتاة غير متزوجة، أحببت رجلا، ولكن كل الطرق التي تمكنني من الاقتراب منه محرمة، فقررت الاكتفاء بأن أتخيل أنه زوجي.
هو شخص موجود في الحقيقة، مع العلم أن هذه الخيالات ليست لإثارة الشهوة، بل هي تخيلات تدور حول الحب، والمودة، والاحتواء، وقد تتضمن هذه الخيالات الاحتضان أو القبلات لهدف الاحتواء، وأنا أتعمد الاسترسال فيها؛ لشعوري فيها بالأمان، وعدم الوحدة، وأنا تائبة، ولا أدري أني بفعلي ذلك أبتعد عن الله مرة أخرى.
فهل هذه الخيالات التي ألجأ إليها للهروب من الوحدة العاطفية تعتبر ذنبا سيحاسبني الله عليه؟ وما هي النصيحة لتجاوز التعلق القلبي بغير الله؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ مريم حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكركم على تواصلكم معنا، وثقتكم بموقعنا.
فهمنا من رسالتك -أختي الكريمة- أنك تمرين بتجربة عاطفية مؤلمة، وقد أسعدنا أنك بادرت بالسؤال، وأنت تحملين في قلبك خشية الله، والرغبة الصادقة في البعد عن كل ما يغضبه، وهذه الخشية ذاتها دليل على صحة قلبك وحياته، ولفت انتباهنا توصيفك الدقيق لما تمرين به، مما يدل على وعي عميق بنفسك.
ما تصفينه يجمع بين أمرين متداخلين:
الأول: هو الفراغ العاطفي الحقيقي، وهو حاجة إنسانية فطرية إلى الاحتواء، والأمان، والمحبة.
والثاني: هو أسلوب التعامل مع هذا الفراغ، وهو الاستغراق في التخيل عن شخص بعينه، وهذا ما يستحق وقفة هادئة ومتعمقة.
يمكن أن ننظر إلى مشكلتك من زاويتين:
الزاوية الأولى نفسية: الوحدة العاطفية ليست ضعفا أو عيبا، بل هي قرع لباب فطري خلقه الله فينا، وقد قال سبحانه: ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة﴾ (الروم:21)، ففطرة السكن والمودة حقيقية، وإحساسك بالحاجة إليها أمر مشروع في أصله.
الزاوية الثانية إيمانية: ما تفعلينه من استرسال متعمد في التخيل عن شخص بعينه لا يحل لك شرعا هو ما يستوجب المراجعة، وسنفصل في ذلك.
هل هذه الخيالات ذنب؟
قد يخطر ببال الإنسان ما لا يقصده، والنبي -صلى الله عليه وسلم- أخبرنا: "إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تتكلم" (متفق عليه)؛ فالخاطر الذي يمر ويذهب لا مؤاخذة عليه، ولكن أنت ذكرت بوضوح أنك تتعمدين الاسترسال فيها، وهنا يكمن الفارق الدقيق؛ فالاسترسال المتعمد في التخيل عن رجل أجنبي، وإن لم يبلغ حد الشهوة الجسدية، هو ينطوي على إشكاليتين:
الإشكالية الأولى: أن القلب كالأرض، ما تسقيه نبت؛ فكلما أطلت الاسترسال في هذه الخيالات ازداد التعلق رسوخا، ويصبح الفطام عنه أصعب يوما بعد يوم، وقد بين ابن القيم -رحمه الله- في كتابه روضة المحبين: أن الهوى يبدأ بخاطر، ثم تخيل، ثم استرسال، ثم استعباد، فإذا استرسل في المراتب الأولى صعب الرجوع.
الإشكالية الثانية: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبرنا في الحديث الذي رواه مسلم: أن القلب يهوى ويتمنى، وأن هذا الهوى والتمني هو بداية مسار يصدقه الفرج أو يكذبه؛ فالأمان الذي تشعرين به في هذه الخيالات ليس أمانا حقيقيا، بل هو تلبية مؤقتة تعمق الجرح بدلا من أن تشفيه.
دعينا نسأل أنفسنا هذا السؤال: لماذا تلجئين إلى هذه الخيالات؟ وكيف تتجاوزينها؟
الجواب: هو أن الذي تسعين إليه ليس الرجل بذاته، بل ما يمثله: الأمان، والاحتواء، والحب، والشعور بالانتماء، وهذه مشاعر حقيقية وطيبة في أصلها، والله سبحانه وتعالى هو مصدر كل أمان حقيقي، وقد قال: ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ (الرعد:28)، فاعلمي أن قلبك يصيح بحاجته للاطمئنان، وباب الله مفتوح على مصراعيه.
من الأمور التي ستعينك -بإذن الله-:
- احرصي على صلاة الليل ولو ركعتين، وتحديدا في أوقات الوحدة، إذ يقول الله تعالى في الحديث القدسي: "أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني..."، واجعلي من دعائك الخاص أن يرزقك الله الزوج الصالح الذي يحتويك؛ فالدعاء هو أصدق طريق للتعبير عن حاجاتنا الحقيقية أمام من يملك إجابتها، وأكثري من قراءة سورة الضحى وسورة الشرح في أوقات الوحدة؛ فقد أنزلهما الله تخفيفا عن قلب محزون.
- في كل مرة تبدأ فيها هذه الخيالات، قاطعيها بالقيام وتغيير المكان، أو بالوضوء والصلاة؛ فإن تغيير الحالة الجسدية يكسر الدائرة المغلقة للتخيل، كذلك اعملي على ملء الفراغ العاطفي بما هو حلال ومثمر: كأن تعمقي علاقتك بأم كريمة، أو صديقة صالحة، تجدين عندها الدفء والاحتواء، فقد خلق الله في العلاقات النسائية الطيبة قدرا كبيرا من الأمان العاطفي الذي نحتاجه، وانشغلي بعمل تطوعي أو إنساني يشعرك بأنك تحبين وتحبين.
- افتحي باب التفكير الجدي في الزواج بالطرق الحلال، واعلمي أن الشريعة لم تغلق باب الحب، بل فتحت طريقه الصحيح، وتحدثي مع من تثقين به من أهلك؛ فإن من يسعى نحو الحلال بصدق يسهل الله له طريقه.
أختي الكريمة: إن اللجوء إلى الله عز وجل بالتوبة والاستغفار، والحرص على البعد عن الذنب -كما تفعلين- هو في ذاته دليل على قلب صالح يريد الله، والله سبحانه يعلم ضعف العبد وفطرته، وهو أرحم بك من أن يحاسبك على ما تسعين للخروج منه وأنت راغبة في ذلك صادقة.
نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يرزقك السكينة الحقيقية في قربه، وأن يرزقك الزوج الصالح الذي تجدين عنده الاحتواء الحلال الكامل، وأن يهديك سواء السبيل.