السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
جزاكم الله الجنة على عملكم هذا.
أنا أم لثلاثة أطفال، أشعر بضياع شديد في حياتي، لا أستطيع الثبات على العبادة؛ أصلي في آخر الوقت، وفي بعض الأيام أفوت أحد أوقات الصلاة.
علاقتي بأولادي مبنية على العصبية والتوتر، أبحث كثيرا لأحاول تغيير واقعي، ولكن كله من غير جدوى، عصبيتي قتلت تربيتي لأولادي، وعبادتي ضعيفة جدا، ودائما يوجد صوت داخلي يتكلم كلاما سيئا، وحتى في بعض الأوقات -أستغفر الله، أستغفر الله- يتكلم عن الله، وأقول بداخلي "اسكت" للصوت، وأضرب رأسي.
لست راضية عن حالي أبدا، ولا عن علاقتي بأولادي، طالما حلمت وتمنيت أن أربي أطفالا من حفظة الكتاب، ومن علماء الدين، ولكن لا أجد الطريق لإصلاح نفسي.
أعينوني ببعض الكلام لعل وعسى أن يغير بي شيئا، وشكرا لجهودكم.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أختكم في الله حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -أختنا الكريمة-، ونشكر لك ثقتك بنا في إسلام ويب، وجوابي لك كالآتي:
أولا: أسأل الله تعالى أن يسهل أمرك، ويعينك على تربية أولادك، والقيام بشؤونهم مع قيامك الكامل بطاعة الله عز وجل.
ثانيا: لا شك ولا ريب أن الصلاة لها قدرها العظيم عند الله عز وجل، فلا بد أن تعلمي أن الصلاة صلة بين العبد وبين ربه، فإذا قطع العبد هذه الصلاة قطع علاقته بالله، فالصلاة أعظم العبادات في الإسلام بعد توحيد الله تعالى، وقد أمر الله تعالى بالمحافظة على الصلاة، فقال تعالى: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين)، وأمر الله تعالى بإقامة الصلاة، فقال تعالى: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة)، وقد فرضها الله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى أمته ليلة الإسراء خمس صلوات في اليوم والليلة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (خمس صلوات كتبهن الله على العباد، فمن جاء بهن، ولم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن، كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن، فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء أدخله الجنة)، رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجة.
وفي حديث أخر: (فمن حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورا ولا برهانا ولا نجاة يوم القيامة، وكان يوم القيامة مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف)، رواه أحمد، فأمر الصلاة عظيم، فلا بد أن تتوبي إلى الله عز وجل، وأن تقفي مع نفسك محاسبة لها في تفويتك في بعض الصلوات وأنت أم فاضلة، وأم هؤلاء الأطفال الذين سيقتدون بك حينما يرون اهتمامك بالصلاة.
ثالثا: ومما يتعلق بأولادك، فلا شك ولا ريب أنك تقومين بعمل جيد ومهم، وهو العناية بأولادك، وتربيتهم تربية صالحة، وما تشتكين منه أنه يقع من الأولاد مما يجعلك تتعبين وتتعصبين وتوترين نفسك، فاعلمي أن لك الأجر كاملا إن شاء الله، فابتعدي عن العصبية والتوتر، وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الرجل الذي قال: أوصني يا رسول الله، قال: (لا تغضب)، قال: أوصني، قال: (لا تغضب)، قال أوصني: قال: (لا تغضب)، رددها ثلاث مرات، متفق عليه، فالغضب والتوتر لن يزيدك إلا تعبا ومرضا، فقوي علاقتك بالله سبحانه تعالى، وأكثري من التوبة والاستغفار إلى الله تعالى.
رابعا: ما يتعلق بهذا الصوت الذي يأتيك يتكلم عن الله وتقولين له: اسكت، وتضربين رأسك، هذه كلها وساوس شيطانية، فالوسواس هو عبارة عن تهيؤات، وأوهام ليست واقعية، والشيطان حريص على إغواء بني آدم، وهذه الوساوس التي تشتكين منها لا تؤثر في إيمانك ما دمت تدفعينها وتنكرينها، وقد جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: جاء ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فسألوه إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال: أو قد وجدتموه، قالوا: نعم، قال: ذاك صريح الإيمان) رواه مسلم، ومعناه استعظامكم للكلام الذي وقع في أنفسكم هو صريح الإيمان، والمؤمن مبتلى بوساوس الشيطان وبوسواس الكفر التي يضيق بها صدره، كما في رواية الحديث، قال الصحابة يا رسول الله: (إن أحدنا ليجد في نفسه ما لئن يخر من السماء إلى الأرض أحب إليه من أن يتكلم به).
أختي المعلمة الفاضلة: أن هذه الوساوس مرض يعترض الإنسان، فالشيطان حريص كل الحرص على إلحاق الأذى بالإنسان المؤمن بالذات، فيدخل عليك هذه الأفكار حتى يسلب منه السعادة والطمأنينة التي يعيشها مع القرآن الكريم، ولكن لا تقلقي فهذه الوساوس مرفوع إثمها عنك لحديث النبي صلى الله عليه وسلم حيث يقول: (إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل او تتكلم به)، متفق عليه، فالحديث يدل على أن الوساوس وحديث النفس الذي يهجم على قلب الإنسان بغير اختياره أنه معفو عنه.
وحتى تلك الوسوسة الكفرية التي يلقيها الشيطان في قلب الإنسان قد ورد فيها حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فعن ابن عباس رضي الله عنهما: (جاء رجل إلى النبي صلى الله وسلم، فقال: يا رسول الله إن أحدنا يجد في نفسه يعرض الشيء لأن يكون حممة أحب من أن يتكلم به، فقال رسول الله صلى الله وسلم: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة)، رواه أحمد، ومعنى الحديث: أي لا تلتفتوا إلى هذا الشيء الذي يزعجكم ويقلقكم.
ثالثا: ومن أجل التغلب على هذه الوساوس عليك بالآتي:
1- الالتجاء إلى الله تعالى بصدق وإخلاص في أن يذهب الله عنك مرض الوسواس.
2- الإكثار من قراءة القرآن، والمحافظة على الذكر لا سيما مع أذكار الصباح والمساء، وأذكار النوم والاستيقاظ، وغيرها من الأذكار في اليوم والليلة.
3- الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، ومدافعة هذه الوساوس، وعدم الاسترسال فيها، والانتهاء عن هذه الأفكار وقت ورودها، لما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى وسلم: (يأتي أحدكم الشيطان، فيقول من خلق كذا وكذا، حتى يقول له من خلق ربك، فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته)، متفق عليه.
فأرشدنا رسول الله صلى الله وسلم أن من يبتلي بهذه الوساوس، فعليه بالإعراض عنها، وعدم الاسترسال فيها، ومن جميل ما قاله شيخ الإسلام تيمية في هذا الباب، قال رحمه الله: "الوسواس يعرض لكل من توجه إلى الله تعالى بذكر أو غيره، فينبغي للعبد أن يثبت ويصبر على ما هو فيه من الذكر والصلاة، فعند ذلك ينصرف عنه كيد الشيطان؛ إن كيد الشيطان كان ضعيفا".
خامسا: وما دمت تحلمين وتتمنين كثيرا أن تربي أطفالك تربية صالحة، وأن تجعليهم من حفظة القرآن الكريم، ومن علماء الدين، فاعملي بالأسباب، واهتمي بهؤلاء الأطفال، فإذا كانوا في سن يمكن إلحاقهم بمراكز تحفيظ القرآن الكريم في المساجد، فألحقيهم، فهذا مهم جدا حتى يحفظوا القرآن، ثم يتوجهون بعد ذلك إلى العلم الشرعي، مع الاهتمام بدراستهم المدرسية، وشيئا فشيئا ستجدين أن الأمور طيبة، والله تعالى لن يضيع جهدك، وسيفرحك بأولادك إن شاء الله تعالى، فأصلحي يا أختي الكريمة ما بينك وبين الله؛ يصلح الله ما بينك وبين الخلق.
أسأل الله تعالى أن يعينك على تربية أولادك، وأن يحبب إليك الصلاة والإيمان، وأن يفرحك بأولادك.