السؤال
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
أنا فتاة عمري 18 سنة، نشأت في حياة عائلية صعبة من حيث المشاكل وطريقة التفكير، ولكن بالرغم من ذلك كنت قوية ولم أتأثر في صغري كثيرا، وكنت أهتم بدراستي بشدة، وأحرص على تحقيق أهدافي وأحلامي، كانت حياتي الشخصية مثالية برغم حياتي العائلية الصعبة، لكن كل شيء تغير عندما أتممت الخامسة عشرة من عمري؛ إذ أصبح الأمر صعبا جدا، فصرت أتأثر بشدة وأحزن بسرعة، ولم أعد أهتم بدراستي وتخليت عن أحلامي، حتى هواياتي لم أعد أتقنها، وأصبحت شخصا سلبيا.
دخلت في علاقة لكنها سرعان ما انتهت، كنت في سنة دراسية مهمة، رسبت فيها، ومنذ ذلك الحين وعائلتي تعاتبني، ودائما ما يقللون من شأني، ويستصعبون نجاحي في كل عام، ولا ألومهم؛ لأنني بصعوبة أتحصل على نصف الدرجة الكاملة؛ وذلك لأنني لم أكن أبذل مجهودا ولو قليلا.
صرت أهتم بمظهري الخارجي فقط، وهل سيقول الناس عني جميلة! لكن مع مرور الوقت أصبح الناس يحتقرونني في المدرسة؛ صديقاتي ومعلماتي أصبحن يعاملنني على أنني لا أصلح لشيء، وأنني غير نافعة، وها أنا الآن أتأسف لحالي هذا، وأريد أن أصبح فتاة ذات طموحات وشخصية قوية، وأهتم بدراستي، وأثبت لكل الناس عكس ما يرونني عليه، فكيف أبدأ؟ وهل تعتقدون أنه يجب أن أتعالج نفسيا؟
يرجى الرد بأسرع وقت ممكن، وشكرا.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ مريم حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكر لك تواصلك مع موقع إسلام ويب وطلب الاستشارة، وأول ما نود أن نلفت نظرك إليه أن في رسالتك جانبا مبشرا جدا، وهو أنك فتاة سوية في أصل شخصيتك، قادرة على الإنجاز والدراسة، وقد أثبت ذلك في سنواتك الأولى، كما أن لديك أسرة –رغم ما فيها من صعوبات– إلا أنها ترعاك وتتابعك، وهذه نعم عظيمة تستحق أن يحمد الله عليها، فوجود هذا الأساس الطيب في شخصيتك يعني أن ما حدث ليس نهاية الطريق.
كما أن عمرك –ثمانية عشر عاما– ما يزال في بداية العمر، بل هو في الحقيقة مرحلة الانطلاق وبناء المستقبل، وكثير من الناجحين مروا في مثل هذا السن بمرحلة تعثر أو اضطراب، ثم استطاعوا أن ينهضوا من جديد، ويحققوا ما كانوا يحلمون به، بل أحيانا بصورة أفضل مما كانوا يتوقعون.
وما تصفينه من تغيرات في المزاج، وسرعة التأثر، والتشتت، وضعف الحافز، هي أمور يمر بها بعض من الشباب في هذه المرحلة العمرية؛ حيث تتغير الاهتمامات والمشاعر بسرعة، وقد يقع الإنسان في أخطاء أو اختيارات غير موفقة –مثل الدخول في علاقة عاطفية مبكرة– مما يزيد من التشتت ويؤثر في التركيز الدراسي، فينعكس ذلك على النتائج، لكن المهم هنا أنك وصلت إلى مرحلة الاستبصار بالمشكلة، وهذه في الحقيقة بداية الحل.
ومن الواضح من رسالتك أنك لست شخصية ضعيفة كما تظنين، بل لديك أساس قوي بنيت عليه سابقا من الاجتهاد والطموح، وهذا الأساس يمكن أن تعودي للبناء عليه مرة أخرى، فالشخص الذي نجح في السابق قادر –بإذن الله– أن ينجح مرة أخرى إذا أعاد ترتيب حياته.
ولا تشغلي نفسك كثيرا في هذه الفترة برأي الناس: هل أنت جميلة أم لا؟ أو ماذا يقول الآخرون عنك؛ لأن قيمة الإنسان لا تبنى على المظهر فقط، بل على شخصيته وأخلاقه وعلمه وإنجازه، والأهم هو نظرتك أنت لنفسك وثقتك بقدرتك على استعادة مكانتك، ومع الخطوات الجادة سيلاحظ الناس التغيير تلقائيا.
والبداية الحقيقية تكون بإرادة منك، وقناعة صادقة بالتغيير، ولو بخطوات صغيرة من الآن، مثل: تنظيم يومك، والعودة التدريجية للمذاكرة ولو ساعة أو ساعتين يوميا، والابتعاد عن العلاقات العاطفية التي تشتت التفكير في هذا العمر، والعودة إلى هواية تحبينها، واختيار صديقة إيجابية تشجعك على الدراسة، وكذلك وضع أهداف دراسية بسيطة لكل أسبوع ثم زيادتها تدريجيا.
ومن المفيد أيضا التقليل من الانشغال بالمظهر ووسائل التواصل، واستبدال ذلك بالقراءة أو تطوير مهارة تحبينها، ومع كل إنجاز صغير ستشعرين بأن ثقتك بنفسك تعود شيئا فشيئا.
كذلك: يمكن أن تعززي ثقتك بنفسك، والشعور بإنجازك؛ بالمحافظة على عبادتك، مثل الصلوات الخمس في أوقاتها، وقراءة ورد قرآني يومي ولو كان بسيطا، وتعلم وحفظ بعض الأذكار والدعوات، كأذكار الصباح والمساء وآية الكرسي، وسؤال الله التوفيق والإعانة في حياتك الدينية والدنيوية، فهيا انهضي يا ابنتي واعملي بوصية نبيك صلى الله عليه وسلم الذي قال: (احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز) وسترين خيرا كثيرا بإذن الله تعالى.
أما مراجعة مختص نفسي فليست وصمة أبدا، بل هي من الأخذ بالأسباب؛ فإذا شعرت أن الحزن أو التشتت ما زال يسيطر عليك، ويمنعك من التقدم، فاستشارة مختص قد تساعدك على فهم مشاعرك، وتنظيم أفكارك بطريقة أفضل.
نحن على ثقة –من خلال رسالتك– أن لديك القدرة على تجاوز هذه المرحلة، وبناء نسخة أفضل من نفسك، فابدئي من اليوم بخطوات بسيطة وثابتة، وستجدين أن حياتك تعود إلى مسارها بإذن الله.
نسأل الله أن يشرح صدرك، ويقوي عزيمتك، ويكتب لك التوفيق والنجاح، وأن يجعلك كما تحبين فتاة قوية صالحة ناجحة.