فقدت القدرة على التمييز بين الحقيقة والزيف في الحياة، فما الحل؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا طالب جامعي، مررت بفترة كنت آخذ فيها بأصعب الآراء الفقهية تجنبا للوقوع في أي خلاف، حتى وصل بي الأمر إلى الاغتسال عدة مرات ظنا مني أني كفرت، مما أوقعني في حبائل الوساوس، ومع ذلك، كنت متماسكا حتى ظهرت نتائجي الجامعية محملة بالرسوب في بعض المواد، ورغم توقعي لذلك، إلا أنني بكيت بحرقة بعد رؤية النتيجة.

فجأة، شعرت وكأن عقلي توقف عن الاستجابة؛ فاجتاحتني تساؤلات غريبة حول إيماني بالآخرة، وشعرت بأنها بعيدة عن الواقع، وشككت في كوني مسلما أو أن للحياة معنى وهدفا، ظننت في البداية أن هذا إلحاد أو عقاب على ذنوبي، لكنني عندما أفكر في فكرة الإلحاد أبكي بشدة خوفا من فقدان إيماني.

ومع مرور الوقت، أصبحت أتأمل في طريقة تفكير الناس حولي وكأنهم من عوالم أخرى، حتى فقدت القدرة على التمييز بين الحقيقي والزائف، صار التفكير المنطقي يبدو غير واقعي بالنسبة لي، وكأن العالم مجرد محتوى على منصة افتراضية ليس أكثر، وبطبيعة الحال، أثر ذلك بشكل كبير على عباداتي وحياتي كلها، وأصبحت أعيش في حسرة دائمة.

أفيدوني، جزاكم الله خيرا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أسامة حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

بداية نشكر لك تواصلك وطلب الاستشارة من موقع إسلام ويب، وواضح من رسالتك أنك شاب حريص على الاستقامة، وتبحث عن الكمال في دينك، وتحاول أن تتجنب الخلاف مع الآخرين فتأخذ بالأحوط والأصعب من الآراء حتى لا تقع في الخطأ، وهذا في أصله نابع من رغبة صادقة في الطاعة، لكن من المهم أن تعلم أن الله سبحانه لم يأمرنا أن نبحث دائما عن أصعب الأقوال وأشدها، فالإسلام دين يسر ورفع للحرج، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إن الدين يسر)؛ ولهذا فالتشديد على النفس في كل مسألة قد يفتح باب المشقة والوساوس، بدل الطمأنينة والسكينة التي جاء بها الدين.

كما يظهر من كلامك وجود صعوبة في التعامل مع الآخرين ومناقشتهم، وربما تفضل تجنب الحوار حتى لا تدخل في خلاف، ومع الوقت قد يؤدي هذا الأسلوب إلى تراكم القلق الداخلي، والشعور بالضغط النفسي؛ لأن الإنسان يحتاج إلى قدر من التوازن في علاقاته، وقدرته على التعبير عن رأيه دون خوف مبالغ فيه.

أما ما ذكرته من الشكوك والوساوس التي جعلتك تعيد الاغتسال مرات عديدة ظنا أنك خرجت من الملة؛ فهذا من الوسواس القهري المعروف، وهو يلقي عبئا نفسيا كبيرا على صاحبه، خصوصا عندما يرتبط بأمور العقيدة والطهارة، فيعيش الإنسان في دائرة من الشك والخوف، رغم أنه في الحقيقة حريص على الإيمان وليس بعيدا عنه.

ومن المهم أن ننتبه إلى أنك قد ذكرت أنك كنت طبيعيا قبل ظهور نتيجة الجامعة، وهذا يدل على أن الإخفاق الدراسي كان نتيجة صدمة نفسية، وكانت من ضمن العوامل التي أثرت في توازنك الداخلي، فالحزن الشديد والبكاء بعد رؤية النتيجة دليل على ضميرك الحي وحرصك على النجاح، لكن يبدو أن الضغط النفسي الشديد جعل ذهنك يدخل في حالة من القلق والوساوس والتفكير المرهق، حتى أصبحت تقارن نفسك بالآخرين مقارنة غير عادلة، وترى الحياة وكأنها بلا معنى.

كما أن ما وصفته من الشعور بأن العالم غير حقيقي، أو كأنه مجرد مشاهد عابرة يحدث أحيانا مع القلق الشديد والضغط النفسي، وهو لا يعني فقدان الإيمان كما تخشى، بل هو عرض نفسي مرتبط بالإجهاد الذهني وكثرة التفكير والوساوس.

ولذلك فإن ما طرأ على عبادتك وحياتك لا ينبغي أن تتركه دون علاج، بل من الحكمة مراجعة مختص نفسي موثوق، فالعلاج النفسي يساعد كثيرا في حالات الوسواس القهري والقلق، ويضع خطة عملية لاستعادة التوازن الفكري والنفسي.

وإلى جانب ذلك يمكنك أن تبدأ بخطوات عملية بسيطة، مثل: التوقف عن إعادة الاغتسال أو الوضوء بسبب الشك؛ لأن القاعدة الشرعية أن اليقين لا يزول بالشك، وتنظيم يومك بين الدراسة والراحة والرياضة، وتقليل العزلة وكثرة التفكير، والعودة التدريجية للتركيز على دراستك بدل الانشغال بالمقارنات مع الآخرين، مع المحافظة على العبادات بهدوء دون تشدد أو تفتيش مستمر في النية أو العقيدة.

وتذكر أن ما تمر به مرحلة يمكن تجاوزها -بإذن الله-، وبعض الشباب يمرون بضغوط دراسية ونفسية ثم يستعيدون توازنهم ويكملون طريقهم بنجاح، فاهدأ واطمئن، وخذ بالأسباب العلاجية، وستجد أن الأمور تعود إلى طبيعتها شيئا فشيئا.

نسأل الله أن يطمئن قلبك، ويصرف عنك الوساوس، ويشرح صدرك للإيمان واليقين، ويكتب لك التوفيق في دراستك وحياتك.

مواد ذات صلة

الاستشارات