أعاني ألماً متكرراً بسبب فقدان الصداقة مرةً بعد مرة!

0 0

السؤال

السلام عليكم.

أنا فتاة جامعية، أعاني من مشكلة أني عندما أصادق زميلاتي لا تستمر صداقتي لأكثر من عام، ولنفس السبب؛ فأنا متفوقة، ومجتهدة من ناحية الدراسة، وأحب مساعدة الآخرين بكل جهدي، دون أن يطلبوا مني، ولكن عندما أفشل في تقديم المساعدة لأول مرة ينفضوا من حولي، ويقولون: بأنني أتظاهر بمساعدتهم، ولا أكن الخير لهم، والله يشهد على صفاء نيتي، وعدم قصدي للسوء.

لقد كنت بالبداية لا ألتزم بصلاتي، وأذكاري؛ لذا ظننت أني أستحق ما يحدث لي، ولكن بعدما تبت إلى الله منذ عام ونصف تقريبا، لم يتوقف هذا الأمر إطلاقا، على العكس زاد الأمر.

مؤخرا بدأت أحاول تغيير شخصيتي؛ ظنا مني أنها السبب، ولكن لم يزدني ذلك إلا تعبا نفسيا، ولا أعلم ماذا أفعل! فأنا أشعر بأني مهما أحببت الخير للآخرين فإنهم يفرون من حولي أكثر؛ لدرجة أنني بدأت أظن أن اجتهادي في دراستي نقمة وليس نعمة.

أصبحت أدعو الله في كل قيام ليل أن يرزقني الصحبة الطويلة الصالحة؛ لأن الصحبة هي نعمة ورزق من الله، ولكن أشعر بالخجل عندما أدعو بأمور دنيوية بعد دعائي بالعفو والمغفرة، خصوصا أن توبتي لم يمض عليها مدة طويلة.

فهل وضعي طبيعي، أم أن الخطأ مني؟ وكيف يمكنني أن أقلل وأسيطر على ألم وضيق صدري بعد كل صداقة تفسد؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ لينا حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكركم لتواصلكم معنا وثقتكم بموقعنا.

فهمنا من رسالتك -أختي الكريمة- أنك تعانين من ألم متكرر، هو ألم فقدان الصداقة مرة بعد مرة، ولأسباب ترينها غير عادلة، وما زاد الجرح عمقا أن هذا يحدث رغم صفاء نيتك، وحسن قصدك، بل ورغم توبتك، وقيام ليلك ودعائك، فهذا بحد ذاته يدل على قلب رقيق، وروح حساسة تستحق الاحترام والتقدير.

لفت انتباهنا بشكل خاص قولك: بدأت أظن أن اجتهادي في دراستي نقمة وليس نعمة، وهذه الجملة تحمل في طياتها خلاصة ألم عميق، ونحب أن نعالج هذه النقطة بعناية.

هل المشكلة فيك أم في الظروف المحيطة؟ الإجابة الصادقة هي: الأمر يمكن أن ننظر إليه من زاويتين معا:

الزاوية الأولى: طبيعة بيئتك الجامعية؛ حيث إن بيئة التفوق الدراسي مليئة بالمنافسة والحساسية؛ فكثير من الزميلات لا يستطعن الاعتراف بأن انزعاجهن في الحقيقة ليس منك، بل من أنفسهن؛ إذ يشعرن بالتقصير أمام تفوقك، واجتهادك، فيبحثن عن مبرر خارجي، ويجدنه في لحظة الفشل الأولى التي تقدمين فيها المساعدة، ويبنين عليها حكما جاهزا كان في نفوسهن من قبل.

هذا ليس دفاعا مطلقا عن كل سلوك يصدر منك، لكنه تفسير واقعي لظاهرة معروفة نفسيا، وهي الشعور بالنقص أمام المتفوقين.

الزاوية الثانية: نمط العلاقات الذي تتبعينه، وهنا لا بد من الصدق مع النفس؛ فالمساعدة التي تقدمينها دون أن يطلبها أحد قد تحمل أحيانا حتى مع حسن النية، رسالة ضمنية غير مقصودة، وهي: أنت بحاجة لمساعدتي، وهذا بطبيعة الحال يجعل الطرف الآخر يشعر بأنه في موضع الضعيف، أو المديون؛ مما يولد إحراجا يتحول لاحقا إلى نفور، ليس معنى ذلك أن تتوقفي عن الكرم، بل أن تتعلمي الفرق بين المساعدة التي يطلبها الآخر، والمساعدة التي تفرضينها عليه بدافع من قلبك الطيب.

قال الله تعالى: ﴿الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين﴾ (الزخرف: ٦٧)، وهذه الآية الكريمة تكشف حقيقة عميقة؛ وهي أن الصداقة الحقيقية الدائمة لا تبنى على التفوق، ولا على المصلحة، ولا على المنفعة المشتركة وحدها، بل تبنى على التقوى، والقيم المشتركة؛ فإذا لم يكن في البيئة التي تبحثين فيها عن الصداقة من تشاركك هذه القيم، فستبقى الصداقات هشة مهما بذلت.

فلا تستغربي أن تجدي كثيرات يتقربن منك حين يحتجن، وينفضضن حين يشعرن بعدم الحاجة، فهذا ليس خللا فيك، بل هو طبيعة كثير من علاقات الدنيا.

- أما قولك: إنك تشعرين بالخجل حين تدعين بأمور دنيوية كالصحبة الصالحة:

فهذا خطأ في الفهم، نحب أن نصححه بكل لطف؛ سؤال الله الصحبة الصالحة ليس طلبا دنيويا بالمعنى المذموم، بل هو من أعلى الطلبات، وأنفعها للدين والدنيا معا؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل"؛ فالصاحب الصالح عون على الطاعة، وسبب للثبات، وطلبه دعاء في محله تماما.

- وأما قولك: إن توبتك لم يمض عليها وقت طويل: فلا تستعجلي ثمار التوبة؛ فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾ (الطلاق:٢-٣)، فاستمري على توبتك، وصلاتك، وقيام ليلك، ولا تستعجلي؛ فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا.

من الأمور التي ستعينك -بإذن الله-:

الأمر الأول: أن تعيدي النظر في أسلوب تقديم المساعدة؛ فبدلا من أن تبادري دائما بالعرض دون طلب، تدربي على الانتظار حتى يطلب منك؛ وستجدين أن المساعدة التي تطلب منك أثمن في نظر الطرف الآخر من تلك التي تفرضينها بطيب نية.

الأمر الثاني: أن تبحثي عن صداقات خارج دائرة الزميلات الدراسيات مباشرة؛ فحلقات تحفيظ القرآن، والأنشطة التطوعية، والمجتمعات الإيمانية تجمع نوعية مختلفة من الناس يبنون علاقاتهم على قيم لا على مصلحة مشتركة.

الأمر الثالث: أن تتوقفي تماما عن محاولة تغيير شخصيتك؛ فالشخصية ليست هي المشكلة، وما تحتاجين إليه هو ضبط بعض الأنماط السلوكية في العلاقات، وهذا أمر مختلف كليا عن تغيير الهوية.

الأمر الرابع: أن تسمحي لنفسك بأن تتألمي، وتتعلمي في نفس الوقت؛ فكل صداقة انتهت تحمل درسا، وبعد أن تمضي مرحلة الحزن اسألي نفسك: ماذا استفدت؟ وكيف اخترت الطرف الآخر؟ وهل كانت هناك إشارات تجاهلتها من البداية؟

الأمر الخامس: احرصي على مواصلة قيام ليلك والدعاء، وادعي بثقة وبلا خجل؛ فأنت تطرقين باب أكرم الأكرمين.

سؤالك: هل وضعك طبيعي؟ نعم، وضعك طبيعي جدا؛ فما تعانينه ليس ظاهرة غريبة، بل هي تجربة يمر بها الكثير ممن يحمل قيما عالية في بيئات لا تقدر هذه القيم؛ فالطيبون والمجتهدون كثيرا ما يجدون صعوبة في العثور على صحبة تتوافق معهم؛ لأن الصحبة الحقيقية ليست كثيرة في أي زمان ومكان، وقد قال الله تعالى: ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾ (سبأ:١٣)، وهذا ينطبق على أصحاب القيم أيضا، فهم قلة في كل جيل، وربما لهذا يجد أهل الفضل صعوبة في إيجاد من يشبههم.

أختي الكريمة: اجتهادك في دراستك نعمة وليس نقمة، وطيبتك كنز وليست عبئا، والله الذي وهبك هذا القلب الصافي قادر على أن يرزقك من يقدر هذا القلب ويصونه، ولا تتعجلي؛ فإن الله يبتلي أحبابه ليرفعهم، وربما كان هذا التكرار درسا يعلمك كيف تختارين، وليس كيف تغيرين.

نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يرزقك الصحبة الصالحة التي تعينك على طاعته، وأن يهديك سواء السبيل.

مواد ذات صلة

الاستشارات