السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
تحية طيبة للقائمين على هذا الصرح المبارك، وجزاكم الله خيرا على ما تقدمونه من نفع وإرشاد للشباب، وأسأل الله أن يكتب لي الشفاء على أيديكم.
أنا شاب أبلغ من العمر أربعا وعشرين سنة، خريج كلية التجارة، وعلى وشك إنهاء خدمتي العسكرية في الأول من أبريل القادم بإذن الله، أكتب إليكم طالبا النصيحة والعلاج في عدة تحديات أثقلتني:
أولا: جذور الحساسية المفرطة (الطفولة):
منذ أول يوم وعيت فيه على الدنيا وأنا أمتلك جهازا عصبيا شديد الحساسية، أذكر أنني في أول يوم دراسي كنت الطفل الوحيد الذي يبكي بكاء هستيريا، ويرفض ترك أهله والابتعاد عنهم، لم يكن ذلك دلالا، بل رعبا حقيقيا من الأماكن الجديدة، ومن الابتعاد عن منطقة الأمان (والدي).
تكرر هذا الأمر عند انتقالي إلى المرحلة الإعدادية؛ إذ أصابني الخوف نفسه والبكاء ذاته من تغيير المكان والناس، وكنت أحتاج وقتا طويلا جدا لأطمئن. هذه الحساسية جعلتني دائم المراقبة لكل تفصيلة حولي بشكل مرهق.
ثانيا: الموقف الصادم والوسواس القهري:
بسبب حساسيتي ومثاليتي، تضخم موقف عابر حدث أثناء الدروس؛ إذ كان المدرس يكتب على السبورة في وضع محرج، فارتبكت بشدة وخشيت أن يظن أنني أنظر إليه بنظرة غير لائقة أو شاذة، ظهر الارتباك علي فعلا، ومنذ ذلك اليوم وأنا حبيس سجن فكري؛ أخاف في أي موقف مشابه –مع أي شخص، حتى في العمل أو مع والدي– أن يفسر ارتباكي الجسدي العفوي على أنه ميول شاذة، رغم يقيني التام بسلامة فطرتي ورجولتي، لكن جهازي العصبي يخذلني ويرتبك رغم إرادتي.
ثالثا: اضطراب الصورة الذاتية والعزلة:
أعاني من عدم تقبل شكلي الخارجي، مما يسبب لي قلقا واكتئابا دائمين وفقدانا للثقة بالنفس، وهذا الأمر دفعني إلى تجنب معظم المناسبات الاجتماعية خوفا من نظرة التقييم، مفضلا العزلة على مواجهة القلق.
رابعا: التبعات الجسدية (الضغط المقاوم):
منذ سنتين وأنا أعاني من ارتفاع ضغط الدم، والمقلق أنني جربت أكثر من دواء دون استقرار، وبعد الفحوصات والأشعة السليمة، أخبرني طبيب القلب أنني أعاني من ضغط مقاوم ذي منشأ نفسي وعصبي بحت.
وأنا منتظم حاليا على دواء (إيرستابكس كو 20/5) دون استقرار كامل، كما أعاني من دوالي الخصية، ولدي قلق شديد من فشل ليلة الدخلة مستقبلا، إذ يربط عقلي الوسواسي بين أي تعثر جسدي، وبين تلك الشكوك حول الميول، مما يدمر سلامي النفسي!
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نرحب بك -أخي الفاضل- عبر استشارات إسلام ويب، ونشكر لك تواصلك معنا بهذا السؤال، ونشكر أيضا تقديرك لهذا الموقع الذي يقدم هذه الخدمات، داعين الله تعالى بالقبول منا جميعا.
أخي الفاضل: ورد في سؤالك أربعة مواضيع، سأحاول أن أتناولها بالتدريج؛ فالموضوع الأول ما ذكرته بجذور الحساسية المفرطة.
نعم -أخي الفاضل- يختلف الناس في درجة حساسيتهم، ولكن من الواضح مما ورد في سؤالك أنك كنت تعاني منذ طفولتك وربما حتى الآن من الحساسية الزائدة، التي تؤدي إلى الخوف من الأماكن الجديدة، أو التي غير مألوفة بالنسبة لك، مما يضطرك لأن تأخذ وقتا أطول حتى تطمئن إلى الوضع الجديد.
أخي الفاضل: نعم ربما بسبب التربية والتنشئة التي لم تذكر لنا كثيرا عنها هي التي أوصلتك إلى أنك شديد الحساسية، حيث كنت مصابا بقلق الافتراق، أي قلق الافتراق والابتعاد عن الوالدين والبيت، فنعم -أخي الفاضل- هذا يمكن أن يحصل، إلا أنه يمكن أن يزول بالكلية، ليس عن طريق التجنب، وإنما عن طريق الإقدام على الأماكن الجديدة، وإن أخذ هذا معك وقتا أطول من المعتاد.
أما الموضوع الثاني، فهو ما أسميته بموقف الصدمة والوسواس القهري، فنعم، ربما رؤيتك لذلك المعلم في تلك الوضعية غير المريحة أوحت إليك فكرة وسواسية قهرية، الفكرة الوسواسية القهرية هي فكرة غير معقولة وغير منطقية، ولا تنطبق على حالك، إلا أنها تبقى مزعجة ومؤلمة، وخاصة لشاب حريص على دينه وأخلاقه كما يبدو من رسالتك، فحاول -أخي الفاضل- أن تتجاهل هذه الأفكار الوسواسية، فأنت رجل وعلى الفطرة السليمة ولله الحمد.
إذا عجزت عن تجاهل هذه الأفكار السلبية، فلا مانع من أن تذهب للعيادة النفسية ليصف لك الطبيب النفسي أحد الأدوية المضادة لـلوساوس القهرية، ولكن هذا فقط إن شعرت بالحاجة إليه، استجابة لأمر النبي ﷺ: تداووا عباد الله.
أما الموضوع الثالث فيما أسميته من اضطراب الصورة الذاتية وضعف الثقة بالنفس: لا تحتاج مني أن أذكرك بقول النبي ﷺ: إن الله لا ينظر إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، فحاول عدم تجنب لقاء الناس والخروج إليهم، وحاول أن تتجنب العزلة، وتقبل على مقابلة الناس، وبيني وبينك أقول لك: الناس عندهم ما يكفيهم من الهموم، فلا تعتقد أنك همهم الوحيد.
أما النقطة الرابعة فهي ارتفاع الضغط المقاوم للعلاج، فنعم ربما إذا ارتحت نفسيا، ولذلك أؤكد على الأمور الثلاثة السابقة، وخاصة علاج الوسواس القهري، وأخذ وقت في التعرف على الأماكن والأشخاص الجدد، يمكن أن يخفف عندك من القلق العام والتوتر، فكلنا نعلم في الطب علاقة التوتر النفسي بارتفاع ضغط الدم، فالفجوة بين ما هو نفسي وما هو بدني لم تعد تلك الفجوة الكبيرة، فما في النفس يؤثر في الجسد، وما في الجسد يؤثر في النفس.
أخيرا -أخي الفاضل- أنصحك بإعادة النظر بنمط حياتك الصحي، هل تنام الساعات الكافية؟ هل تمارس النشاط البدني والرياضة؟ ففي مثل سنك لا بد من أن تحرص على هذا، بالإضافة إلى التغذية الصحية السليمة.
أدعو الله تعالى لك بتمام الصحة والعافية، وبالله التوفيق.