السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
في كثير من الأوقات أختلف مع أمي، فتنهرني، وكنت أكتفي بالبكاء وأصمت، ولكن حدث أمس شيء أغضبني كثيرا؛ فقد ضربتني أمي على سبب لا يذكر، وقد كنت أتمازح معها في الأمر، ولكنها ضربتني، وأهانتني، ولا أعلم ما حدث لي؛ فقد غضبت بعدها، ولم أتمالك أعصابي، وقلت لها كلمة لا أعلم كيف قلتها لها، فقد غضبت من نفسي كثيرا، ولا أعلم كيف نطقت بهذه الكلمة، ومنذ ذلك الوقت وهي لا تريد أن تسامحني، وترفض تماما أي كلام مني، وترفض عذري، ولا أعلم ماذا أفعل!
اعتذرت لها عما حدث مني، وقلت لها بأنني لم أكن أقصد، لكنها ما زالت غاضبة مني، وظلت تدعو علي كثيرا في وقت غضبها، وكان الوقت قبل المغرب بقليل، وأخشى أن يكون قد استجاب لها ربي، وغضب علي.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ طالبة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -ابنتنا الكريمة- في موقعك استشارات إسلام ويب، وجوابي لك كالآتي:
أولا: اعلمي أن حدوث مشاكل بين الأم وبناتها قد يحدث في الأسرة، وإن تفاوتت بين أسرة وأخرى، فعليك أن تعذري أمك؛ فلربما تعرضت لضغوط الحياة، ولا تظني أن أمك تكرهك؛ فلا يوجد أم تكره أولادها، ولكن ربما أمك تعاني نفسيا من أمور تخصها، ولا تستطيع التحكم في نفسها، بل على العكس هي أكثر البشر خوفا وشفقة عليك، ولن تجدي صدرا أحن عليك من صدر أمك الغالية عليك، فتفهمي وضع والدتك، وقدري الأمور بقدرها.
ثانيا: بالإمكان أن يكون ضرب أمك لك ردة فعل لتصرفاتك، ولعل مزاحك مع أمك تجاوز الحدود؛ فالأم مهما كان تظل هي الأم، وأنت ابنتها، والمزاح يكون بحدود؛ حتى لا ينقلب المزاح إلى مشاكل -وقاكم الله المشاكل-.
ثالثا: أنا أقدر مشكلتك، وأعرف ما تعانينه، وهذا ابتلاء من الله تعالى؛ فقد يبتلى الإنسان بأقرب الناس إليه، ولذلك عليك بالصبر الجميل، لا سيما مع أمك، ولا تنسي أن الله تعالى قد أوصانا بالوالدين إحسانا، وخاصة الأم قال الله تعالى: (وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا) (الإسراء:23)، وقال تعالى: (وصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصله ثلاثون شهرا) (الأحقاف:15).
والإحسان إلى الوالدين هو كما قال القرطبي: "الإحسان إلى الوالدين برهما، وحفظهما، وصيانتهما، وامتثال أمرهما، وترك السلطنة عليهما"، والأحاديث النبوية كثيرة في هذا الباب، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، قال: "جاء رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: " يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك" متفق عليه، وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "رضا الرب في رضا الوالدين، وسخط الرب في سخط الوالدين". رواه الترمذي.
رابعا: وأما ما ذكرت من إيذاء الوالدة لك بالألفاظ، والإهانة، والضرب أحيانا؛ فعليك بالصبر على هذه الألفاظ، والوالدان ليسا كغيرهما، فقد أنزلهما الشرع الحكيم منزلة خاصة، وأوجب البر بهما، والإحسان إليهما ولو كانا كافرين مجتهدين في سبيل إضلال ولدهما، وصده عن الحق، ورده من الإيمان إلى الكفر، كما قال تعالى: (وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا) (لقمان:15) والمقصود من هذا كله بيان منزلة الوالدين، وحقهما على ولدهما، وأنه لا يجوز للولد أو البنت الإساءة إلى الوالدين، والسعي في إيذائهما، أو إلحاق الضرر بهما، وإن أساءا إليك، مع بيان عدم جواز ظلم الوالدين للأبناء والبنات على حد سواء، وأوصيك بالصبر على كلام أمك لك.
خامسا: حاولي التغاضي عن أفعال أمك لك؛ لأن أخذ هذه الأمور بحساسية يولد أمراضا نفسية، والصبر من صفات المسلم، وإذا فقد المسلم الصبر أتت عليه الأمراض النفسية، وقد أوصانا الله تعالى بالصبر فقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين) (البقرة:153)، وفي الحديث يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له. رواه مسلم.
سادسا: وأما ما كان من فعلك حين ضرب أمك لك، وكونك غضبت عليها، وأطلقت عليها كلمة أحزنتها، وجعلتها تغضب عليك، بل دعت عليك، فاستغفري الله تعالى، وتوبي إلى الله؛ فإن الإساءة إلى الوالدين تعتبر من كبائر الذنوب.
سابعا: حاولي استرضاء أمك، والاعتذار منها، وتقبيل رأسها ويديها، والتفاني في خدمتها، وكونك ندمت، وتخافين من دعوتها فهذا دليل استيقاظ ضميرك، وخوفك من الله، فأصلحي علاقتك بالله ثم بالوالدة، والإنسان منا سيندم أشد الندم إذا رحل الوالدان أو أحدهما من هذه الدنيا.
ثامنا: ذكر أهل العلم أن من فضل الله علينا أن الدعاء الذي يصدر بغير قصد حال الغضب لا يستجاب، واستدلوا على ذلك بقول الله تعالى: "ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم ".
وقد نقل الإمام ابن كثير في تفسيره تلك الآية ما يلي: يخبر تعالى عن حلمه ولطفه بعباده: أنه لا يستجيب لهم إذا دعوا على أنفسهم أو أموالهم أو أولادهم في حال ضجرهم وغضبهم، وأنه يعلم منهم عدم القصد إلى إرادة ذلك، فلهذا لا يستجيب لهم -والحالة هذه - لطفا ورحمة.
لذلك لا تقلقي يا ابنتي، ما دمت نادمة ومعتذرة، فاستمري على ذلك، وسوف يهدأ قلبك والدتك عليك إن شاء الله تعالى.
أسأل الله تعالى لك التوفيق والسداد، والبر بأمك، وأن يرزقك الصبر عليها، وأن يسعدك في الدنيا والآخرة.