السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا شاب أبلغ من العمر خمسة وعشرين عاما. أنهيت دراستي الجامعية منذ مدة، وأعمل الآن في وظيفة جيدة إلى حد ما، لكنني في داخلي أشعر بشيء من الفراغ وعدم وضوح الهدف، أمضي أيامي بين العمل والعودة إلى المنزل، وتصفح الهاتف أو الخروج مع الأصدقاء، ثم أنام لأستيقظ وأكرر الأمر نفسه.
في البداية لم أكن أنتبه لذلك كثيرا، لكنني في الآونة الأخيرة بدأت أسأل نفسي: ما الهدف من حياتي؟ ماذا أريد أن أحقق؟ وما الذي سأقدمه لديني ولمجتمعي؟ أشعر أحيانا أن السنوات تمر بسرعة دون أن أصنع شيئا ذا قيمة، وهذا الأمر يقلقني كثيرا.
أرى بعض الشباب لديهم أهداف واضحة، ويجتهدون في تطوير أنفسهم وخدمة مجتمعهم، بينما أشعر أنني ما زلت أبحث عن الطريق الصحيح، أحب ديني وأرغب أن تكون حياتي ذات معنى، وأن أعيش حياة نافعة لي ولغيري، لكنني لا أعرف من أين أبدأ، وكيف أحدد أهدافي بطريقة صحيحة!
لذلك أرجو منكم نصحي وتوجيهي:
كيف يستطيع الشاب في مثل سني أن يبني معنى إيجابيا لحياته؟ وكيف يحدد أهدافا واقعية يسعى لتحقيقها؟ وما الخطوات العملية التي تساعدني على أن أكون أكثر التزاما ومسؤولية وانضباطا في حياتي؟
جزاكم الله خيرا.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ علي حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -أخي الفاضل- في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يوفقنا وإياك لصالح القول والعمل.
بداية أخي الكريم: أهنئك على هذا السعي وهذه الهمة؛ فهذا السؤال في غاية الأهمية، ويضع ملامح النجاح والتفوق والإنتاجية في حياة أي إنسان، وتحديدا في فترة الشباب؛ تلك المرحلة التي تعد مرحلة التأسيس والبناء والإنتاجية لكل مراحل الحياة اللاحقة، ولذلك خصها النبي ﷺ بالذكر والعناية والتوجيه، فقال: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع ... وعن شبابه فيما أبلاه).
وحتى نجيب عن كل تساؤلاتك نقف وقفات محورية حول كل تساؤل:
الوقفة الأولى: تفسير هذه المشاعر وتوقيتها ودوافعها النفسية وأهمية استثمارها:
أخي الكريم، ما تشعر به من تساؤل وقلق أمر طبيعي جدا في هذه المرحلة؛ فبعد أن كان الشاب في مرحلة الدراسة يعيش أهدافا واضحة ومسارا محدد المعالم، يتمثل في إنهاء الدراسة، والالتحاق بالجامعة، والحصول على عمل، أصبح الآن –بعد تحقق ذلك– يعيش أمام خيارات مفتوحة، وحياة جديدة يتحمل فيها مسؤولية أكبر.
فأنت الآن انتقلت من مرحلة التأسيس، ودخلت مرحلة البناء وهي مرحلة الإنتاجية والعطاء، وهذه المرحلة تحتاج إلى عمل واستمرار في البناء؛ وبمجرد الشعور بالروتين والتكرار المستمر في الحياة دون إنجاز، يبدأ يتسلل إلى النفس شعور بالضياع واللا معنى، وعدم وضوح الأهداف.
أخي الفاضل: هذه المشاعر إيجابية؛ لأنها صوت داخلي يدفعك إلى التغيير ورفض واقعك السلبي، وبالتالي لا بد من تحويل هذه المشاعر إلى دافعية حقيقية للبناء والتطوير والإنتاجية، وكل ذلك سيثمر مع الصبر ومرور الوقت، وينعكس على شخصيتك وحياتك كلها، بل وعلى مجتمعك الذي تعيش فيه.
أخي العزيز: لقد تحققت لديك عناصر مهمة للدافعية في هذه المرحلة؛ من مشاعر القلق والمقارنة والرغبة في أن تكون إنسانا منتجا وفاعلا، وكل هذه المشاعر نتيجة للألم والقلق، وهي الوقود الذي سيدفعك إلى العمل والتغيير -بإذن الله- فالألم في هذه المرحلة مهم جدا وهو الدافع والمحفز، وينبغي أن يترجم إلى خطط وأهداف وبناء حتى يتحول إلى ألم وقلق إيجابي منتج.
الوقفة الثانية: كيفية بناء المعنى الإيجابي للحياة، وطريقة تحديد الأهداف الواقعية والوسائل التي تساعدك على تحقيقها:
هذا السؤال عميق وواسع، وهو أول خطوة نحو وضوح الرؤية التي ترتكز عليها صناعة الأهداف؛ فكل هذه الأمور مترابطة، ويؤدي بعضها إلى بعض، فالأهداف تحتاج إلى رؤية واضحة تسير عليها قبل تحديدها، وبتحديد الأهداف تتحقق الإيجابية في حياتك.
وحتى تتضح لك الصورة بشكل أكبر نوضح لك هذه المفاهيم:
المقصود بالرؤية هي الصورة المستقبلية التي تريد أن تصل إليها على المدى البعيد؛ فهي تصور واضح للحالة النهائية المرغوبة التي توجه كل القرارات والخطوات لتحقيقها، وبعبارة أدق: الرؤية الاستراتيجية تجيب عن سؤال واحد كبير: إلى أين أريد أن أصل؟
لذلك -أخي العزيز- الخطوة الأولى في بناء ذاتك هي تحقيق رؤية واضحة (أين أريد أن أكون؟ وماذا أريد أن أحقق بعد سنة، وخمس سنوات، وعشر سنوات؟) بعد الرؤية تأتي صناعة الأهداف التي تحقق لك تلك الرؤية وتوصلك إليها.
فصناعة الأهداف تشبه الهرم المنطقي، الذي يبدأ بالرؤية ثم الرسالة، ثم القيم، ثم الهدف الاستراتيجي، ثم الهدف التشغيلي، ويمكن توضيح ذلك بإيجاز:
أولا: الرؤية الاستراتيجية، وهي أعلى الهرم، وذلك بأن تحدد المستقبل المرغوب بشكل واضح ومحدد وقابل للقياس والتحقيق، مثل أن تصبح كاتبا -يكتب مئة مقال خلال سنة- أو مؤلفا لكتابين، أو متحدثا في عشرة محافل، أو حافظا لخمسة أجزاء من القرآن الكريم ... وهكذا.
ثانيا: الرسالة، وهي تختلف عن الرؤية؛ فالرسالة هي تعريفك لسبب وجودك، وما القيمة التي تريد أن تقدمها في الحياة، وهي إجابة عن سؤال عميق: لماذا أفعل ما أفعل؟ وما الدور الذي أريد أن أؤديه في حياتي، وفي العالم، ولديني، ولمجتمعي؟
فبينما الرؤية تسأل: إلى أين أريد أن أصل؟ فإن الرسالة تسأل: لماذا هذا الطريق مهم بالنسبة لي؟ ولذلك فإن صياغة رسالتك كما ذكرت في سؤالك: "أحب ديني وأرغب أن تكون حياتي ذات معنى، وأن أعيش حياة نافعة لي ولغيري"، هي في الحقيقة رسالة شخصية واضحة وجميلة ومميزة.
ثالثا: القيم، وهي المبادئ والقيم التي تحكم طريقك لتحقيق رؤيتك، فلكل إنسان قيم تختلف حسب ثقافته ومعتقداته، لكنك كشاب مسلم تدرك أن قيمك لا بد أن تكون منضبطة بالوحي والشرع ومكارم الأخلاق؛ فهي أرقى القيم التي تضمن لك التوازن الكامل بين الروح والجسد والعقل، وتحقق لك الرضا والسعادة في الدنيا والآخرة.
رابعا: الأهداف الاستراتيجية، وهي الأهداف الكبرى بعيدة المدى التي تهدف إلى تحقيق رؤيتك خلال مدة محددة؛ مثل خمس سنوات أو عشر سنوات، أو تقربك من أقرب نقطة لتحقيقها أو تجعلك مستعدا تماما لتحقيقها، فمثلا لو كان ضمن خطتك أن تؤلف كتابا في هذا العام فهذا هدف استراتيجي، أما تحقيقه فيحتاج إلى أهداف تنفيذية تشغيلية عملية، وهو ما يقودنا إلى المرحلة التالية.
خامسا: الأهداف التنفيذية التشغيلية؛ وهي الأهداف اليومية أو قصيرة المدى التي تنفذ فعليا لتحقيق الأهداف الاستراتيجية، ومن خصائصها أنها قصيرة المدى (شهرا أو عدة أشهر أو سنة غالبا)، وأنها دقيقة وقابلة للقياس، ومرتبطة بالأنشطة اليومية، وواضحة في التنفيذ.
ففي المثال السابق قد يكون الهدف التشغيلي اليومي أن تكتب خمس صفحات يوميا من كتابك، أو أن تقرأ مرجعين يوميا لدعم فكرة الكتاب، فكما تلاحظ هنا فإنك قد حددت خطة تشغيلية واضحة، وهي: كتابة خمس صفحات يوميا، وهذا هدف قابل للقياس والمراجعة والتنفيذ ومحدد بزمن، وبذلك تستطيع محاسبة نفسك وقياس مدى تقدمك نحو تحقيق أهدافك.
الوقفة الثالثة: خطوات عملية لتحقيق الالتزام والانضباط والمسؤولية:
أخي الكريم: أغلب البشر يمتلكون الطموح والرغبة، لكن القليل منهم من يحول ذلك إلى خطط وعمل وإنتاجية. وهذا هو الفرق بين الإنسان الناجح والعاجز؛ فقد قال رسول الله ﷺ في التحفيز على العمل والسعي: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان)، والمقصود بالقوة هنا قوة الإرادة والسعي والبناء والعمل.
لذلك فإن كل الأهداف لا تتحقق إلا بشرط الالتزام والاستمرار والصبر، والشعور بالمسؤولية، وهي العناصر التي سألت عنها، وأهم الخطوات العملية لتحقيقها ما يلي:
1. تحديد هدف واضح ومحدد، إذ لا يمكن الالتزام بشيء غامض، ومثال: بدل أن تقول: "أريد أن أقرأ أكثر" قل: "سأقرأ 20 صفحة يوميا"، وبدل أن تقول: "أريد حفظ القرآن" قل: "سأحفظ خمس آيات يوميا"؛ فلغة العموم تجعل تحقيق الالتزام أمرا هلاميا غير واضح، لذلك ابتعد عن لغة التعميم، واجعل أهدافك مركزة وواضحة وقابلة للقياس.
2. تحويل الهدف إلى عادة يومية؛ فإن من أهم ما يحقق الالتزام تحويل الأفعال الصغيرة المتكررة إلى عادة سلوكية يومية: وروتين يمنحك قيمة مضافة كل يوم أو كل أسبوع، ولتحقيق ذلك تحتاج إلى: فترة من الانضباط والتكرار، واستشعار جمال النتائج التي ستحققها، حتى لا تعيش ضغط الممارسة وتقع في رغبة الترك، وتحاول أن ترى الجانب الجميل في ما تفعل، من خلال التأمل في هدفك ونتائج تحقيقه مستقبلا.
3. كتابة تعهد شخصي، وذلك بأن تكتب ما التزمت به وتراجعه يوميا؛ فإن الكتابة تزيد الشعور بالمسؤولية، وعليك أن تكافئ نفسك على أي إنجاز؛ فإن المكافآت البسيطة تعطي رسالة بالنجاح وتدعم الاستمرار؛ فمثلا تحفظ سورة فتخرج في نزهة، أو تكتب فصلا من كتاب فتذهب إلى مكان تحبه، ... وهكذا.
4. تقليل مصادر التشتيت؛ فإن الالتزام يضعف عندما تكون البيئة مليئة بالمغريات، وزماننا مليء بما يسرق الوقت ويضيع الاهتمامات، وإذا لم تكن لديك إرادة قوية لمقاومة هذه المشتتات فستذهب جهودك سدى، ومن أهم وسائل مكافحة المشتتات:
• وضع خطة تشغيلية واضحة وصارمة.
• وضع خطة للترفيه تحدد وقتا محددا لاستخدام وسائل التواصل، والتصفح والخروج ومجالسة الأصدقاء.
• مرافقة الناجحين والملتزمين وأصحاب الطموح والهمم العالية، والابتعاد عن كل من يضعف همتك أو يقطع الطريق عليك.
5. قياس التقدم باستمرار؛ وذلك بأن تتابع ما أنجزته يوميا أو أسبوعيا أو شهريا؛ فإن هذا يعتبر نوعا من المحاسبة وقياس الأداء الذاتي، وهو أمر مهم جدا في عملية البناء الشخصي.
أخيرا -أخي الفاضل-: كل ما سبق لا بد أن يحاط بإطار عام يحفظه ويقويه، وهو الاستعانة بالله تعالى وقوة الصلة به، فالعوائق كثيرة، والسقوط وارد، لكن من تعلق قلبه بالله، واجتهد في إرضائه، وأخلص في قصده له؛ وفقه الله تعالى، ولهذا أرشدنا النبي ﷺ بقوله: (استعن بالله ولا تعجز)؛ لأن عدم الاستعانة بالله قد تفضي إلى العجز والتوقف.
فحسن الصلة بالله هو صمام الأمان لتحقيق الدافعية الداخلية في النفس، وهو أهم وقود للاستمرار، والإكثار من الدعاء والتضرع بالثبات والتوفيق والهداية والنجاح من أعظم ما يعينك على تحقيق أهدافك؛ وقد قال رسول الله ﷺ: (ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب).
فاجعل علاقتك بالله أساس حياتك، وأكثر من الدعاء والعمل الصالح، فإن وعد الله حق، وقد قال: ﴿من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾، والحياة الطيبة أن تعيش مشاعر الرضا والسلام النفسي، والشعور بالعطاء والإنجاز، والطمأنينة في الحياة.
وفقك الله ويسر أمرك.