السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا فتى في السادسة عشرة من عمري، وقد بدأت ألاحظ في الفترة الأخيرة قصورا في دراستي وحياتي، أعاني الضيق والعصبية المفرطة، وأبحث عن حل لهذه المشكلات.
وهذه هي المشكلة الرئيسة، أن والدتي كانت تطلب مني بالأمس أن أترك الهاتف حفاظا على صحتي، لكثرة جلوسي عليه، ولأقوم بما ينفعني من قراءة القرآن والدراسة والرياضة التي كنت أمارسها، ومع كثرة ترددها علي بالطلب نفسه تضايقت، فقلت لها ما لم أقصد قوله، ورميت هاتفي ووضعته على الطاولة وقلت لها: عسى أن ترتاحي، ولن ترتاحي حتى تحدث مشكلة في المنزل بسبب حديثك معي.
فحزنت من رد فعلي إلى درجة أنها خرجت من الغرفة وذهبت لتبكي في غرفة أخرى؛ مما سبب لي ألما شديدا، والله أعلم بما في قلبي من حزن واكتئاب بسبب ما فعلت، وهي الآن لا تكلمني ولا ترد علي. ذهبت لأعتذر منها، فردت علي، لكن ردها لم يكن يدل على رضاها عني، وأخشى أن يكون حزنها مؤثرا على علاقتي بها، وأن أخسر رضاها.
ولجأت إليكم هنا للحصول على الاستشارة الكافية الشافية التي تمكنني من حل هذه المشكلات التي واجهتني في حياتي.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ ... حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكر لك حرصك وتواصلك لطلب الاستشارة من موقع إسلام ويب.
نود أولا أن نثني عليك كثيرا لما ظهر في رسالتك من حرصك على رضا والدتك، وخوفك من أن تكون قد أغضبتها، وهذا الشعور في حد ذاته يدل على قلب حي وتربية طيبة؛ فبر الوالدين من أعظم ما يتقرب به العبد إلى الله، وقد قرن الله حقهما بحقه سبحانه، فقال: {وقضىٰ ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا}، ومن أعظم ما يدخل في البر خفض الصوت لهما، واحترامهما، وعدم جرح مشاعرهما، حتى عند الغضب أو الضيق.
كما نود أن ننبهك إلى أن المرحلة العمرية التي تمر بها الآن –وهي مرحلة المراهقة– قد يصاحبها شيء من التقلبات المزاجية، وسرعة الغضب والشعور بالضيق، وهذا أمر يمر به كثير من الشباب في مثل سنك، لكن المهم أن يكون الإنسان واعيا بهذه التغيرات، حتى يتعلم كيف يضبط انفعالاته ويتعامل مع المواقف بهدوء وحكمة.
ومن الأمور الجميلة في موقفك أنك لم تترك الأمر يمر دون اهتمام، بل سارعت بالحديث مع والدتك والاعتذار لها، كما أن حزنك الشديد مما حدث، وغضبك من نفسك؛ دليل واضح على ضمير حي، وخير كبير في نفسك، فالقلوب التي تشعر بالندم وتسعى للإصلاح هي القلوب القريبة من الخير بإذن الله.
كما ينبغي أن تعلم أن موقف والدتك نابع من حبها وحرصها عليك، فهي لم تطلب منك ترك الهاتف إلا خوفا على صحتك ومستقبلك، ودليل محبتها لك أنك حين تحدثت معها بتلك الطريقة تألمت وبكت، فالأم لا تبكي إلا عندما يجرحها كلام ابنها الذي تحبه، ومع ذلك فقلوب الأمهات في الغالب رقيقة وسريعة الصفح، ولا يمكن أن تكره ولدها مهما حدث.
ولذلك فإن أفضل ما تفعله الآن هو أن تقترب منها مرة أخرى بهدوء، وتعتذر لها بصدق، وتطلب منها أن تسامحك، وتخبرها أنك ندمت على ما قلت، وأنك تحرص على رضاها، وأنك ستجتهد في المستقبل في ضبط نفسك وعدم رفع صوتك عليها، مع وعد واضح بأنك ستحاول الالتزام بنصائحها لأنها تريد مصلحتك.
ومن المفيد أيضا أن تتفق معها على تنظيم وقتك في استخدام الهاتف؛ بحيث يكون هناك وقت محدد له، وفي المقابل تهتم بدراستك ورياضتك وقراءة القرآن كما كانت تنصحك، لأن هذا التوازن سيشعرك بالراحة ويطمئن قلبها عليك.
كما يمكنك أن تجعل لك برنامجا يوميا بسيطا: المحافظة على الصلوات في وقتها، قراءة شيء من القرآن كل يوم ولو صفحات قليلة، تقليل الوقت الطويل على الهاتف، ممارسة رياضة خفيفة، والاهتمام بدراستك، فهذه الأمور تعيد لك هدوءك النفسي وتقلل من العصبية والضيق، وتذكر أن رضا الوالدين باب عظيم من أبواب التوفيق في الحياة، وأن دعاء الأم لابنها قد يفتح لك أبواب الخير كلها.
نسأل الله أن يصلح قلبك، ويبارك فيك، ويجعلك من الأبناء الصالحين البارين بوالديهم، وأن يديم المودة والرحمة بينك وبين والدتك.
والله الموفق.