كيف أخلص نيتي لله في دراستي الدنيوية لأنال الأجر؟

0 1

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا طالب توجيهي في الحقل الصحي، في الحقيقة أرى نفسي في هذا المجال، وكانت لدي همة عالية وشغف بالدراسة، ونية في التبحر فيه، لكن عند قراءتي لبعض الأحاديث، مثل: من كانت الدنيا همه، فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته، جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة، وآيات مثل: ﴿بل تؤثرون الحياة الدنيا * والآخرة خير وأبقى﴾، و﴿الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا أولئك في ضلال بعيد﴾.

أصبحت أرى نفسي –بحرصي على الدراسة– من الذين يحبون الحياة الدنيا، ولذلك تذهب رغبتي في الدراسة.

ومن الأسباب أيضا سماعي لبعض العلماء حين يتحدثون عن العلم الشرعي، وأنه أفضل العلوم وأعظمها أجرا، فيجعلني ذلك أميل إلى جانب العلم الشرعي، مع أنني أجد نفسي في الحقل الصحي. وكذلك حديث بعضهم عن الكفاف وعدم السعي وراء المكاسب الدنيوية، مما يزيد حيرتي.

فلا أدري: هل أتجاوز كل هذا الكلام وأركز على دراستي؟ أم أنني فهمت الأمور خطأ؟ أم أن الكلام صحيح وأنا فعلا أركض وراء الدنيا؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ فلان بن فلان .. حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك -ولدنا الحبيب- في استشارات إسلام ويب، ونشكر لك تواصلك بالموقع.

وقد وفقت -أيها الحبيب- حين توجهت بالسؤال إلى من يعينك على اختيار الاتجاه الصحيح، وهذا من توفيق الله تعالى لك، ومن حسن تدبيرك لأمرك، ودليل على رجاحة عقلك، ونسأل الله تعالى أن يمدك بالتوفيق والإعانة والسداد.

ونبدأ -أيها الحبيب- من حيث انتهيت، فننصحك بأن ترمي كل حديث النفس هذا وراء ظهرك، وتدرك بأن فهمك للأحاديث فهم خاطئ، والنبي ﷺ حينما يتحدث عمن كانت الدنيا همه، إنما يتكلم ﷺ عمن جعل الدنيا هي مقصوده الوحيد، ولم يجعل الله تعالى مقصوده، ولم يتفكر في أمر دينه وآخرته، فشغلته الدنيا عن الدين، وشغلته هموم تحصيل متع الدنيا وشهواتها عن الاشتغال بما ينفعه عند الله تعالى، وهذا ليس مطابقا لحالك.

فإن بإمكانك أن تجمع بين الدين والدنيا، بل ربما كان هذا المجال الذي تدرسه عبادة أيضا إذا أحسنت فيه النية. فإذا درست المجال الصحي وأنت متفوق فيه -كما يبدو من كلامك- وراغب فيه أيضا، إذا درست هذا المجال بنية صالحة، وهي نفع المسلمين، وتحقيق الكفاية في هذا الجانب، وخدمة الناس بما يعود عليهم بالنفع، فإن هذا العمل يتحول إلى عبادة؛ فالأعمال بالنيات كما قال الرسول ﷺ: (إنما الأعمال بالنيات).

وليس هذا من الحرص على الدنيا فقط ما دامت نية صاحبه هكذا، على أنه لو أن فرضنا أنك إنما طلبت هذا العلم فقط بتحصيل الدنيا ومصالحها، فإن هذا ليس إثما ولا جريمة؛ فإنه من المباح الجائز كغيره من أسباب الرزق التي يسعى الإنسان فيها لتحصيل رزقه.

لكن مع هذا نقول: إنه يمكنك أن تصبح في عبادة إذا أحسنت نيتك، فاستمر فيما أنت فيه من تعلم العلم النافع الذي يفيدك ويفيد أمتك ما دمت ترغب فيه، وتجد نفسك متفوقا فيه وحريصا عليه، استمر فيما أنت فيه من تحصيله، واستمر في الحرص على التفوق فيه، واقصد بذلك نفع نفسك ونفع أهلك ونفع أمتك، وبذلك تصير عابدا لله تعالى في دراستك لهذا المجال.

لا شك -أيها الحبيب- أن العلوم متفاوتة في منزلتها عند الله تعالى، فالعلم الشرعي ليس كغيره من العلوم، ولكن العلوم الدنيوية تصبح من فرائض الله تعالى إذا احتاج الناس إليها، وقد يصبح الاشتغال بها مقدما على الاشتغال بالعلم الشرعي؛ فإذا وجد علماء في الشريعة ولم يوجد ما يحتاجه المسلمون من أنواع العلوم الأخرى، فإن الاشتغال بهذه العلوم الأخرى يصبح فرضا في حينه، ويكون مقدما على الاشتغال بعلم الشريعة، ... وهكذا، فليست هناك حالة واحدة كقاعدة مستمرة يحكم بها على تقديم العلم الشرعي دائما.

ثم التميز والتفوق والنجاح يختلف في الناس باختلاف رغباتهم، والميول التي يجدونها في أنفسهم لتعلم العلوم، فما دمت تجد نفسك مائلا إلى هذا النوع من العلم؛ فحسن نيتك فيه، واحرص على التميز فيه، وإن كان بقصد نفع نفسك ونفع أسرتك، لكن مع هذا حاول أن تتعبد لله تعالى بتعلم هذا العلم؛ بأن تقصد به إعفاف نفسك ومنفعة أمتك، وتصبح بذلك تمارس عبادة من العبادات.

نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يوفقك لكل خير.

مواد ذات صلة

الاستشارات