السؤال
السلام عليكم ورحمة الله.
أنا فتاة في الثالثة والعشرين من عمري، لدي مشكلة؛ وهي أنني أفكر في أن كل من حولي لا ينبغي أن أثق بهم؛ لكي لا أتعلق بهم وأرفع سقف توقعاتي فيهم، ثم يجرحونني ويخذلونني في قراراتهم بعد ذلك، حتى أقرب الناس لي لا أستطيع الوثوق بهم، ولا أعلم هل السبب هو أن ثقتي في نفسي منعدمة، أم لأنني لا أجيد اتخاذ قرارات صحيحة في حياتي؟
لقد قرر كبار العائلة زواجي من شاب أكبر مني بـ 14 سنة؛ لأنهم يعرفونه فهو قريبهم، ومحترم، وبار بوالديه، ووالدته ستعيش معنا بعد الزواج، وهو مسؤول منذ صغره، لكن ينتابني خوف وندم، ولا أعرف كيف أحبه أو أثق به؛ لأنه أتى لزيارتنا مرتين فقط وأتحدث معه عبر الهاتف فحسب.
كان هناك قبول منذ أول مرة حدثته فيها عن نفسي كثيرا، ورأيت فيه شخصا هادئا وطيبا ومتفهما، ولكن لأنه مسافر بالخارج أشعر بقلة اهتمامه وبعده عني، فأحزن؛ فأنا أريده دائما أن يطمئنني، ويتحدث معي عن نفسه لكي أعرفه أكثر، فهل اخترت الشاب المناسب؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ فاطمة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكركم لتواصلكم معنا وثقتكم بموقعنا.
فهمنا من رسالتك الكريمة أنك تحملين ثلاث قضايا متشابكة تحتاج إلى معالجة متأنية؛ أولها: جرح الثقة بمن حولك، وثانيها: التشكيك في قدرتك على اتخاذ القرارات الصحيحة، وثالثها: موقفك من هذا الخاطب تحديدا، وما يحيط به من ملابسات، ولا يمكن النظر في واحدة منهن دون أن نستحضر الأخريين؛ لأنهن كلهن من نوع واحد.
أولا: ما تصفينه من شعور بأن كل من حولك لا يمكن الوثوق به، هو حالة نفسية دفاعية تنشأ عادة عند من مررن بتجارب خيبة أمل مؤلمة من أشخاص كان يفترض أن يأمن الإنسان إليهم، القلب يبني لنفسه سياجا ليحمي نفسه من الألم، فيرفض الاقتراب من أي أحد، ظنا منه أن البعد أسلم من الاقتراب، وما تصفينه أيضا من أنك ترجعين هذا الشعور إلى عدم ثقتك بنفسك وعدم قدرتك على اتخاذ القرار الصحيح، هو ملاحظة نفسية دقيقة جدا؛ لأن الشخص الذي يفتقر إلى الثقة بنفسه لا يثق بحكمه على الآخرين، فيصبح عاجزا عن الثقة بهم أيضا، بمعنى: أنك لن تعدمي الثقة في الناس فقط، بل تعدمينها في نفسك حين يتم تقييم نفسك من قبلك.
وهذا لا يعني أنك ضعيفة، بل يعني أنك بحاجة إلى إعادة بناء صورتك عن نفسك، وهذا أمر ممكن تماما بالمجاهدة والاستعانة بالله.
ومن المهم أن نلفت انتباهك إلى أن هذه الحالة من القلق وانعدام الثقة، إذا استمرت وأثرت على حياتك اليومية، فإن اللجوء إلى أخصائي نفسي متخصص أمر لا يدعو إلى الخجل، بل هو من صميم الحكمة وحسن التدبير.
ثانيا: ما تشعرين به من أن الكبار يقررون عنك، مؤلم جدا، ونفهم هذا الشعور، غير أن ثمة فارقا دقيقا يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار؛ فالإسلام لا يلغي إرادة المرأة في الزواج، بل جعل رضاها شرطا أساسيا لصحة العقد، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تنكح البكر حتى تستأذن)، فأنت صاحبة الكلمة الأخيرة في هذا الأمر، وليس الكبار.
استشارة الأهل، وأخذ رأيهم نعمة عظيمة؛ لأنهم يرون ما لا ترين، ولكن القرار النهائي لك.
واعلمي أن الشعور بالعجز عند اتخاذ القرار يتضخم في لحظة القلق، لكنه لا يعكس الحقيقة، أنت لديك القدرة على التقدير، ما تحتاجينه هو الوقت الكافي، والمعلومات الكافية، والدعاء.
ثالثا: ما وصفته من صفات هذا الخاطب، وهو أنه هادئ، وطيب، ومتفهم، وبار بوالديه، ومسؤول، هي أعلى المعايير الإسلامية في اختيار الزوج، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه)، والقبول الفطري الذي وجدته في قلبك منذ أول لقاء ليس أمرا هينا، بل قد يكون من علامات التوافق.
أما قضية فارق السن الذي يبلغ أربعة عشر عاما، فهو لا يعد في ميزان الإسلام عائقا بحد ذاته، ومن أجمل ما في التاريخ الإسلامي أن السيدة خديجة رضي الله عنها، وهي أفضل نساء الأرض في زمانها، تزوجت النبي صلى الله عليه وسلم وكانت أكبر منه بخمسة عشر عاما، وكذلك حصل العكس مع أمنا عائشة رضي الله عنها، والمعيار الإسلامي هو التوافق في الدين والأخلاق والنضج، لا التطابق في العمر.
غير أن ثمة أمورا عملية ينبغي البحث فيها قبل المضي في هذا الأمر:
الأمر الأول: وهو مسألة الغيرة المشروعة من البعد، فما تشعرين به من رغبة في الاهتمام والاطمئنان المستمر هو شعور طبيعي تماما، لكن يجب التمييز بين البعد المؤقت بسبب ظروف السفر والبعد الاختياري الدائم الذي يعكس شخصيته.
وأنصحك بالتحدث معه بصراحة عن احتياجك للتواصل، والاستفسار منه عن خططه المستقبلية، فيما يخص الاستقرار والعودة، طبعا ننصح بالتواصل المستمر بعد حصول عقد الزواج، وليس بمجرد الخطبة التي هي وعد بالزواج، ففي هذه الحالة يكفي التواصل الرسمي المتباعد، ويكون بعيدا عن مسائل الحب والغرام والتواصل الزائد، لأن الخطبة لا تبيح ذلك شرعا، ولاحتمال أن يحصل الانفصال في أي وقت- لا قدر الله-.
الأمر الثاني: وهو مسألة العيش مع والدته، وهذه نقطة بالغة الأهمية تستحق حوارا صريحا ومعمقا قبل الخطبة الرسمية.
فصلة الرحم وبر الوالدين من أعظم ما يمدحه الإسلام في الرجل، لكن ذلك لا يعني التنازل عن حق المرأة في البيت المستقل، أو في إدارة حياتها الزوجية، من الأمور التي سوف تعينك بإذن الله أن تتحدثي مع أهلك عن ضرورة مناقشة هذه النقطة بوضوح، وتحديد الترتيبات العملية التي تصون حقوقك وتحفظ في الوقت ذاته كرامة الوالدة.
رابعا: من الأمور التي سوف تعينك بإذن الله في هذه المرحلة الدقيقة:
احرصي على صلاة الاستخارة، وهي أعظم ما يمكن أن تفعليه في لحظة التردد، روى البخاري عن جابر رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم أصحابه الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمهم السورة من القرآن)، وهي دليل على عناية الله تعالى بك.
واحرصي على طلب مزيد من اللقاءات الشرعية مع الخطيب بحضور المحرم، ليتسع الوقت لمعرفة شخصيته الحقيقية، ولا تستعجلي في إعطاء الجواب النهائي قبل أن يطمئن قلبك.
واكتبي على ورقة أسئلتك الجوهرية التي تحتاج إلى إجابات واضحة قبل القرار، كخططه في العودة، وترتيبات السكن، وطريقة إدارة البيت في وجود والدته، واقرئيها مع أهلك ليكونوا شركاء في إيصالها.
وأخيرا، ابدئي رحلة بناء ثقتك بنفسك من خلال قرارات صغيرة تتخذينها يوميا، وتلتزمين بها، فإن الثقة بالنفس لا تأتي دفعة واحدة، بل تبنى لبنة فوق لبنة، وكوني على يقين أن الله لن يضيع من لجأت إليه وأسلمت أمرها له.
نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل، وأن يجعل لك من كل ضيق فرجا، ومن كل هم مخرجا.
والله الموفق.