السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لا تكفي هذه الكلمات لتصف حجم معاناتي وآلامي المستمرة منذ سنين طويلة؛ فأنا شاب قد هداني الله إلى طريقه منذ سبع سنين؛ حيث ارتقت روحي وصلحت أحوالي، وبدأت حينها بحفظ القرآن الكريم.
وفجأة، في ليلة من الليالي، هجمت علي خواطر شيطانية تمس العقيدة، لا تهدأ ولا تتوقف، وأصبحت أشعر تارة بسخونة في رأسي وتارة ببرودة، حتى أضعفني الشيطان، وصرت أخشى تلك الوساوس كثيرا، ثم في يوم من الأيام، أصابني ألم شديد في رأسي كدت معه أن أضرب رأسي بالحائط، وظل الأمر يزداد سوءا، حتى استيقظت يوما فوجدت ذكري ينتصب بلا توقف في الحافلة، وفي الطريق، وفي المسجد، وغير ذلك.
وعندما علمت أنه مس عاشق -بناء على الإشارات والعلامات والاحتلامات المتكررة، واصفرار وجهي من هول ما أرى من وساوس، وحمى، وألم في الرأس- بدأت بالرقية الشرعية عند مشايخ بلادنا الموثوقين، الذين لا يتقاضون أجرا، ويعالجونني بالماء المقروء عليه، والقرآن، إلا أن الأمر ظل في ازدياد، فكلما تعالجت بالقرآن صرعني المس أكثر، حتى صرت أتمنى أن يشق جسدي من شدة ما أشعر به من وخز كالدبابيس، وألم في الرأس، وصوت أزيز في أذني، ويراودني الشيطان دائما ليذكرني بذنوبي السابقة، كالعادة السرية، وزلات القدم من تقصير ونحوه.
وتعلمون أن الإنسان قد يقصر ثم يعود، ولكن من شدة البلاء وعدم وجدان الشفاء، أحسست أن المولى عز وجل غاضب علي، وأنا أقول دائما: إنني مستعد لأن أفترش رصيف الشارع مع قارورة ماء فقط، في مقابل أن أنتهي من هذا الألم.
فأفيدوني جزاكم الله خيرا، ما الحل؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ مجد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -ولدنا الحبيب- في موقع استشارات إسلام ويب؛ حيث نشكر لك تواصلك بالموقع، ونسأل الله -تبارك وتعالى- العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك ويمن عليك بعاجل العافية والشفاء، وأن يصرف عنا وعنك كل سوء ومكروه.
أولا: ينبغي أن تدرك -أيها الولد الحبيب- أن المرض والإصابة ليستا بالضرورة علامة على غضب الله تعالى وسخطه؛ فالله تعالى يبتلي أولياءه وأحبابه بأنواع الأسقام والأمراض، بل يبتلي أحبابه بأكثر مما يبتلي غيرهم، وقد قال الرسول الكريم ﷺ: أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الناس على قدر دينهم.
فليس صحيحا أن ما أصابك من هذا المس وما يلحقه من ألم وضرر دليل على غضب الله تعالى عليك، بل الأمر بخلاف ذلك؛ فالله تعالى يبلغ الإنسان درجات ما كان سيبلغها بعمله، فيبتليه ببعض المكروهات ليأجره ويرفع قدره، ويكفر عنه ذنوبه وسيئاته.
ولكن المطلوب منك -أيها الحبيب- أن تصبر وأن تقابل هذا الابتلاء بالصبر، وأن تحتسب أجرك عند الله تعالى؛ فالله تعالى لا يقضي شيئا عبثا، فلله الحكمة البالغة، وقد قال في كتابه: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم﴾.
الحل -أيها الحبيب- هو أن تصبر وتأخذ بالأسباب في دفع هذا المكروه عن نفسك؛ فاستمر على ما أنت عليه من الرقية الشرعية وهي -بإذن الله تعالى- علاجك ودواؤك، ولكن لكل أجل كتاب؛ يعني: حين يقدر الله تعالى لك الشفاء سيقع؛ فقد يطول المرض وقد يقصر، ولكن سيجعل الله تعالى فرجا عاجلا أو آجلا، فاصبر واحتسب، وداوم على ما أنت عليه من الأخذ بأسباب الشفاء، وداوم على ذكر الله سبحانه وتعالى؛ فإنه حصن الإنسان الذي يتحصن به من الشيطان، والعقلاء يقولون: "الحيلة فيما لا حيلة فيه الصبر"، وقد قال الشاعر:
الصبر مثل اسمه مر مذاقته *** لكن عواقبه أحلى من العسل
فاعلم أنك في يوم ما ستشكر لنفسك هذا الصبر، وستحمد هذه اللحظات التي تمر بها الآن بالابتلاء والألم حين ترى ثوابها وترى الخير الذي قدره الله تعالى لك بسببها؛ فإنك ستشكر تلك اللحظات والساعات، وستعرف أنك كنت في خير كثير يريده الله تعالى لك، ولكن ظهر لك في صورة الأمر المكروه، فاصبر واحتسب، واعلم أن أولياء الله تعالى من الأنبياء والصالحين قد ابتلوا قبلك، واقرأ القرآن لترى أخبارهم؛ هذا يهون عليك ويبصرك بأن الإصابة لا تعني غضب الله تعالى، وأكثر من الاستغفار؛ فإن الاستغفار في حد ذاته من أسباب الشفاء، وداوم على ذكر الله تعالى وأكثر من التوبة؛ فإن هذه كلها أعمال صالحة مطلوبة من كل أحد، نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يصرف عنك كل سوء ومكروه.
ولا تلتفت إلى ما يحاول الشيطان أن يحزنك به من التذكير لك بذنوبك السابقة؛ فإن الذنوب السابقة يغفرها الله تعالى بالتوبة ويمحوها حتى يعود الإنسان إلى حال أفضل مما لو لم يفعل هذا الذنب، وقد وعد الله تعالى التائب بأنه يبدل سيئاته حسنات، فقال -سبحانه وتعالى- في آخر سورة الفرقان: ﴿إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات﴾.
والرسول ﷺ قد بشرنا في الحديث أن: التائب من الذنب كمن لا ذنب له، فالشيطان يحاول أن يحزنك ويدخل الألم إلى قلبك، فلا تدع له طريقا إلى ذلك، واعلم أن الله تعالى يغفر الذنب ويقبل التوب ويسامح العبد، وهذا من فضله وكرمه سبحانه وتعالى.
نسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياك للخير، وأن يصرف عنا وعنك كل سوء ومكروه.