ضيق الحال أضعف لديّ مسألة اليقين والرضا، فما نصيحتكم؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

كتبت في العنوان: لدي مشكلة في ركن القضاء والقدر والرضا بهما.

فحياتي ومعيشتي ووضعي المادي لا ترضيني، وأنا أعاني الفقر، وقد صبرت سنين طويلة، أجتهد وأتحمل، لكن وضعي يزداد سوءا في كل مرة، وأصبحت أبتلى بهواجس المقارنة مع الآخرين؛ فأرى أمامي من لا دين لهم، من مشركين وكفار، يعيشون من متاع الحياة ما يعيشون، ونحن المسلمين أولى بذلك، كما أن سوء الحال وضيق الرزق يصعبان علي العبادة والتركيز في أمر الآخرة.

وعندما أنظر إلى نفسي، يقال لي: انظر إلى من هم أدنى منك حالا وأشد بؤسا، واحمد الله على ما رزقك، وأنا أفهم ذلك وأعيه تماما، وأعلم أن هناك من هو أسوأ مني حالا، لكن أتساءل: كيف يكون هناك من هو أسوأ حالا من المسلمين، وهم أولى بنعمة الله وسعته؟

وأدرك كذلك ما يقال من أن الله يملي للكافرين والمنافقين؛ ليكون ذلك حجة عليهم يوم القيامة، ولكن يبقى في نفسي تساؤل: أليس الأولى بالمسلمين أن يغنيهم الله؟

لقد أتعبني هذا الأمر منذ سنوات طويلة، وأنا أجاهد نفسي كلما وردت علي هذه الأفكار، وأشغلها بالعبادة وقراءة القرآن والسيرة النبوية، ومع ذلك تعود إلي هذه التساؤلات والأفكار؛ لأن وضعي يزداد سوءا يوما بعد يوم.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أسامة حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يشرح صدرك، وأن يثبت قلبك، وأن يرزقك يقينا يذهب عنك هذا الصراع.

بداية: ما ذكرته من تعب في فهم القضاء والقدر ومعنى الرزق، فهذا يحتاج إلى إعادة ترتيب للفكرة من أصلها، لذا دعنا نفسرها لك في هذه النقاط:

أولا: إن ما تشعر به من ضيق وعدم رضا لا يعني أنك خارج الإيمان، لكنه يدل على أن النفس تتزاحم فيها المقارنات حتى أضعفت التسليم، فالقضية ليست أنك لا تؤمن، بل أنك متعب من واقع تضغط فيه على نفسك بسؤال: لماذا أنا هكذا وغيري هكذا؟

ثانيا: الله تعالى لم يجعل الدنيا مقياس الكرامة، بل قال سبحانه: {أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين * نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون}، فالعطاء في الدنيا ليس علامة رضا، والفقر ليس علامة سخط، بل قد يكون العكس تماما.

ثالثا: سؤالك: لماذا يعطى الكافر ويضيق على المسلم؟
فجوابه أولا: أن الله يفعل ما يشاء، وجوابه أن الله لا يسأل عما يفعل، وجوابه أن لله حكمة جلت عن أفهام الناس، كما أن الدنيا ليست جزاء، بل هي مرحلة اختبار، أما الجزاء الحقيقي ففي الآخرة، ولو كانت الدنيا هي الجزاء لما بقي معنى للجنة والنار، بل قد جاء في الحديث أن الدنيا لا تساوي عند الله شيئا، و لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء، فإعطاء الكافر ليس تفضيلا له، بل لأن الدنيا في ميزان الله حقيرة أصلا.

رابعا: المسلم ليس أولى بالدنيا من حيث المتاع، بل هو أولى بالهداية والنجاة، وهذا هو العطاء الحقيقي، أما الدنيا فقد يعطيها الله لمن يحب ومن لا يحب، لكنه لا يعطي الدين إلا لمن أحب.

خامسا: المقارنات هي التي أرهقتك، لأنك لا ترى من الآخرين إلا ظاهرهم، ولا ترى ما في حياتهم من قلق أو فراغ أو اضطراب، بينما ترى حياتك من الداخل بكل تفاصيلها، فتصير المقارنة ظالمة، ونحن نجزم لك أن وراء كل وجه ضاحك قصة من الألم، ووراء كل رجل غني معاناة لا تعلمها، وهكذا الدنيا، أرادها الله أن تكون دار كدر حتى يظهر الصادق من الدعي، وحتى يتشوق الناس إلى الدار الآخرة، والتي فيها الراحة التامة، والنعيم السرمدي.

سادسا: قولك إن سوء الحال يصعب عليك العبادة مفهوم من جهة الشعور، لكنه ليس حجة صحيحة من جهة الحقيقة؛ لأن كثيرا من الناس كانوا في شدة أعظم، ومع ذلك كانوا أقرب إلى الله، بل الشدة أحيانا تفتح أبواب القرب أكثر من السعة، وفي المقابل هناك من وسع الله عليه فهلك، فترك الجماعة وترك الصلاة، بل وبعضهم ترك معتقده -عياذا بالله تعالى-.

سابعا: المشكلة ليست فقط في الفقر، بل في تكرار الإحساس بالعجز مع طول المدة، وهذا يولد عند النفس سؤالا مستمرا يرهقها، ولذلك تحتاج أن تقطع هذا المسار الذهني، لا تكرر الإجابات القديمة عليها، لا تجب على كل سؤال يطرحه ذهنك، لأن بعض الأسئلة ليست طلبا للحق، بل هي دوران في الألم، فكلما أجبت عاد السؤال بشكل آخر، فالحل ليس في كثرة الرد، بل في قطع الاسترسال، وقل لنفسك عند هجوم هذه الأفكار: "هذا باب لن أصل منه إلى يقين، بل إلى تعب"، ثم انتقل مباشرة إلى عمل ما؛ لأن العمل يقطع التفكير.

ثامنا: مع ذلك، خذ بالأسباب الواقعية بقوة، وراجع طرقك في السعي للرزق، وابحث عن أبواب جديدة؛ لأن الأخذ بالأسباب جزء من التوكل وليس ضده، ولا تجعل حياتك كلها معلقة على متى يتغير وضعك، بل ابن داخل هذا الوضع معنى؛ لأن الانتظار الطويل بلا معنى هو الذي يرهق النفس، وإن من أعظم ما يعينك أن تدعو بهذا المعنى: "اللهم ارزقني رضا لا يزول، ويقينا يطمئن قلبي، ولا تجعل الدنيا أكبر همي".

تاسعا: إن سألت عن الطريق إلى الحكمة فاعلم أن: الحكمة أن ترى ما وراء الظاهر، فلا تحكم على الأمور بلحظتها، بل بما تؤول إليه، فكم من شيء تكرهه وهو في حقيقته طريق نجاتك، وكم من شيء تحبه وهو باب هلاكك، قال تعالى: {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم}.

والحكمة أن تضع الدنيا في قدرها، فلا تجعلها ميزان الكرامة، ولا تقيس بها عطاء الله لك، فلو نظرت حولك لرأيت المريض الذي لا يعلم علته، والمريض الذي لا يجد دواء، ومن يعيش حربا مات أهله وبقي وحيدا بلا معين ولا مأوى، وغير هؤلاء كثير، وأنت بالنسبة لهم في عافية عظيمة وإن ضاق عليك رزقك.

ومن الحكمة أيضا أن تجمع بين السعي والتسليم، فتأخذ بالأسباب كأن الأمر بيدك، ثم ترضى بالنتيجة كأن الأمر كله بيد الله، فلا تقعدك الأقدار عن العمل، ولا تكسرك النتائج إذا خالفت ما تريد.

ومن الحكمة أن تفهم نفسك، وأن تدرك أن كثيرا من الألم يصنعه الإنسان بنفسه، وأن المقارنات تفتح بابا لا ينتهي من السخط والتعب، وأن توقن أن الله حكيم في عطائه ومنعه، لا يعطي عبثا ولا يمنع ظلما، بل قد يحجب عنك ما تحب لأنه يعلم أن فيه هلاكك، ويعطيك ما تكره لأنه يعلم أن فيه نجاتك.

ومن الحكمة أيضا ألا تتبع كل خاطر يخطر عليك، ولا تدخل في جدال مع كل فكرة، فبعض الأسئلة إذا فتح لها الباب أرهقت القلب دون أن توصله إلى يقين.

ومن الحكمة كذلك أن تجعل ثباتك من داخلك لا من ظروفك، فمن ربط راحته بالدنيا اضطرب معها، ومن ربطها بالله سكن قلبه ولو اضطربت الدنيا حوله، وأن تدرك أن الراحة ليست في فهم كل شيء، بل في الإيمان والتوكل على من يعلم كل شيء، فليس المطلوب أن تنكشف لك كل الحكمة، بل أن تسلم لمن له الحكمة كلها، فبهذا تستقيم الأمور ويثبت الإيمان وتنطلق للعمل.

نسأل الله أن يحفظك وأن يرعاك، والله الموفق.

مواد ذات صلة

الاستشارات