أعجبت بزميلتي وأود التقدم إليها، ولكن والديّ لا يشجعانني!

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا شاب عمري اثنان وعشرون عاما، أدرس الطب، وقد من الله علي بالاستقامة، وزرع في قلبي حب العلوم الشرعية والأدب، مؤخرا دخلت السنة الرابعة من التخصص، وبدأ معها التدريب السريري في المستشفيات، ونظامه أن نتناوب على أقسام مختلفة، بحيث نقضي في كل قسم أسبوعين، ويكون عددنا ثمانية طلاب، نرافق الأطباء الاستشاريين.

تعرفت خلال هذا التدريب إلى زميلة لي في الدفعة، ومع الأيام أعجبني خلقها وحديثها، وشعرت بانجذاب نحوها، خاصة أنها منتقبة، وتكرر أن نكون في المجموعة نفسها مرارا، فأصبحت أراها معي منذ شهرين، مما زاد رغبتي في التعرف إليها أكثر، وعلمت أنها مهتمة بالعلم الشرعي مثلي، ولكنها تكبرني بثلاث سنوات، ولا أدري تفاصيل حالها، غير أن ذلك لا يهمني كثيرا.

فهدفي أن أؤسس أسرة مسلمة مهتمة بالعلم في أقرب وقت أستطيعه، ولا يعنيني كثيرا كلام الناس، أو ما اعتاده المجتمع من تأخير الزواج والاهتمام بالكماليات، مما يستلزم جمع الكثير من المال، ويؤدي إلى تعسير الزواج وتأخيره.

عرضت الأمر على والدي، فلم أجد تشجيعا، وكان ردهما: لماذا تستعجل؟ اصبر قليلا، ومن أين ستنفق الآن؟ وأين ستسكن؟.

والحقيقة أنني -بإذن الله- سأتخرج بعد سنتين، ثم أقضي سنة الامتياز حتى أحصل على شهادة مزاولة المهنة، ولا أرى بأسا أن أبدأ الآن مرحلة التعارف، بحيث إذا يسر الله لي خطبة هذه الفتاة كان ذلك قبل التخرج بسنة مثلا، وبعدها إما أن ييسر الله لي وظيفة مباشرة، أو -إن لم يتيسر- فلا أجد حرجا في العمل بأي وظيفة تعينني على الاستقلال وبدء تأسيس أسرتي، فمن فضل الله علي أن لدي خبرة وميولا لبعض الأعمال اليدوية، كصناعة الحلويات وبعض الأعمال الزراعية.

وقد زاد رغبتي في خطبتها أن أحد الأطباء سألنا يوما عن نياتنا بعد التخرج، فأجابت هذه الزميلة بأنها تنوي الاستقرار قليلا، وترى أن تخصص الطب لا يناسبها، وإنما ترغب في تحصيل الشهادة، ثم متابعة دراسات جامعية في مجالات مثل السلوك أو ما شابه.

أنا في حيرة من أمري، وأفكر في هذا الموضوع كثيرا، وقد شغلني حقا، ولم أجد من أستشيره، فأتيت إليكم راجيا الإفادة، وجزاكم الله خيرا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أوس حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يبارك في علمك، وأن يرزقك زوجة صالحة تعينك على دينك ودنياك.

ما ذكرته يدل على وعي جميل، لكن يحتاج إلى ترتيب، حتى لا تتحول الرغبة الصادقة إلى قرار متعجل.

أولا: ما تشعر به من رغبة في الزواج من فتاة ذات خلق ودين هو أمر طبيعي ومحمود، بل من مقاصد الشرع أن يبحث الإنسان عن صاحبة الدين، لقوله ﷺ: (فاظفر بذات الدين تربت يداك)، ولكن هذا الشعور لا يكفي وحده لبناء قرار الزواج، بل يحتاج إلى نظر في القدرة والاستقرار والواقع، فالعرب تقول: "ثبت العرش ثم انقش"، وإن كثيرا ممن لم ينتبه لهذه القاعدة عاش العذاب مرتين؛ مرة حين فشل في دراسته، بسبب كثرة تفكيره فيما لا قدرة له عليه، ومرة أخرى حين تقدم إلى من يحبها من أنهى دراسته واستعد، فوافق الأهل عليه.

ثانيا: ما دمت في بيئة دراسة مختلطة وتتكرر اللقاءات، فهنا موطن دقيق، لأن استمرار الاحتكاك مع وجود الإعجاب قد يفتح باب تعلق أعمق يصعب ضبطه، ولذلك فالأولى أن تضبط نفسك من الآن، فلا توسع دائرة الحديث، ولا تفتح باب تعارف محرم أو مقدمة لمحرم، فإن فكرة "مرحلة التعارف" بالشكل المنتشر الآن، ما هي إلا تلبيس إبليس، حتى يقود الشباب إلى الهلكة، فانتبه.

ثالثا: أنت مؤمن، وتعلم يقينا أن من كتبها الله لك لن يأخذها غيرك، ومن كتبها الله لغيرك لن تكون لك، وهذا موجود في علم الله من قبل أن يخلق الله السموات والأرض، كما قال تعالى: {إنا كل شيء خلقناه بقدر}، فطب نفسا، واعلم أن الشاب تتغير معايير اختيارات الزواج عنده في هذه المرحلة الحساسة من العمر، إلى أن يصل إلى مرحلة النضج، وهذا يحتاج إلى وقت.

رابعا: اعتراض والديك ليس رفضا لك بقدر ما هو نظر واقعي، فهم يرون أنك ما زلت في مرحلة دراسة، ولا تملك دخلا مستقرا ولا سكنا واضحا، وهذه أمور مؤثرة فعلا في استقرار الزواج، فلا تتعامل مع كلامهم على أنه تعطيل، بل على أنه حرص.

خامسا: قولك إنك مستعد للعمل بأي شيء، نية طيبة، لكن الزواج لا يقوم فقط على النية، بل يحتاج إلى حد أدنى من الاستقرار، لأن الضغوط المادية في البدايات قد تؤثر على العلاقة، مهما كانت النية صالحة.

سادسا: لا تجعل تفكيرك ينشغل بتفاصيل تخصها أو مستقبلها أو قراراتها الآن، لأنك لم تدخل بعد في إطار ارتباط شرعي، والانشغال بهذه التفاصيل قد يزيد التعلق ويشغلك عما هو أولى، وهو ترتيب نفسك واستعدادك.

سابعا: الأولى بك في هذه المرحلة أن تركز على بناء نفسك علميا وعمليا، وأن تجعل الزواج هدفا قريبا تسعى له بتهيئة أسبابه، لا بفكرة مرتبطة بشخص معين قبل أن تتوفر القدرة والاستعداد.

ثامنا: التعامل الأمثل الآن أن تبقي الأمور في إطارها العام، دون توسيع علاقة أو تعلق، وأن تحافظ على حدود واضحة في التعامل، حتى لا ينشأ في قلبك تعلق يصعب عليك ضبطه.

تاسعا: إن جاء وقت تهيأت فيه نفسيا وماديا، ورأيت من نفسك القدرة على تحمل المسؤولية، فحينها تسلك الطريق الواضح، وهو التقدم عبر الأهل، دون مقدمات مطولة أو علاقة سابقة، ولا تجعل حماسك لفكرة الزواج المبكر يجعلك تتجاوز سنن التدرج، فليس كل تأخير مذموما، بل أحيانا يكون التأني هو الذي يحفظ الزواج من التعثر.

وفي الختام: اجمع بين صلاح النية وحسن التقدير، واجتهد في صرف وقتك لإنهاء ما عليك، واعلم أن الله حكيم، فإن كان في هذه الفتاة خير لك فثق أن الله سييسر لك طريقها في الوقت المناسب، وإن لم يكن فسيصرف قلبك عنها، ويبدلك خيرا منها، فثق بالله ولا تعجل، والله الموفق.

مواد ذات صلة

الاستشارات