الأفكار الجنسية ترد على خاطري في كل وقت، فكيف أصرفها؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا شاب أعاني من التفكير الجنسي، وأحاول بكل جهدي صرفه عني، لكنه يغلبني أحيانا فأقع في المعصية، وفي الحقيقة، كلما حدث ذلك أتوب إلى الله، ثم أعود مرة أخرى.

فكرت في حل، وهو أنه عندما تأتيني هذه الأفكار أكثر من الدعاء، وأستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ومن شرور النفس والشهوات، وأكرر آيات تذكرني بيوم القيامة، مثل قوله تعالى: ﴿ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها﴾، ولكن غالبا لا ينجح هذا الأمر.

والمشكلة أن هذه الأفكار لم تعد مرتبطة برؤية صور غير لائقة أو نحو ذلك؛ فقد تأتيني وأنا أقوم الليل أو أقرأ القرآن، ثم أذهب للنوم فتطرأ علي هذه الخواطر، وأحيانا تأتيني في أثناء الصلاة.

كما أن ذهني يكاد لا يتوقف عن التفكير؛ فمهما حاولت الانشغال بأمر آخر، أستمر في التفكير في أكثر من أمر في الوقت نفسه، وهذا يحدث في أوقات مختلفة، كما ذكرت، حتى في أوقات العبادة، لكنه يكثر في حالتين: عند محاولتي النوم أو الاسترخاء، وعند ثوران الشهوة، رغم أنني أجتهد في غض البصر.

لذا أرجو منكم إرشادي إلى حل لهذه المشكلة، وجزاكم الله خيرا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكرك -ابننا الكريم- على تواصلك معنا وثقتك بنا، ولعل في شجاعتك على طرح هذا السؤال دليلا على صدق رغبتك في الاستقامة، وهذا بحد ذاته أمر يستحق الثناء والتقدير.

فهمنا من رسالتك -ابني الكريم- أنك تعاني من أفكار جنسية متكررة تغلبك رغم مقاومتك لها، وأنك تتوب إلى الله ثم تعود، كما أن هذه الأفكار تراودك حتى في لحظات العبادة والصلاة والقيام.

أولا: نود أن نقول لك بأنك في سن الخامسة عشرة، وهي مرحلة المراهقة التي تشتعل فيها الهرمونات وتبلغ فيها الشهوة أوجها الطبيعي، وهذا ليس عيبا فيك، بل هو سنة الله في خلقه، حيث عاش كل شاب مثلك هذه التجربة منذ فجر البشرية.

ثانيا: من أهم ما ينبغي أن تعرفه -أخي الكريم- أن الفقه الإسلامي وعلم النفس معا يفرقان بين نوعين من الأفكار؛ النوع الأول هو الخاطر العابر، وهي الفكرة التي تأتي دون إرادتك ودون أن تدعوها، وهذا النوع لا إثم فيه بالإجماع، لقول النبي ﷺ: (إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تتكلم)، وقد قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "الهم والخاطر لا يؤاخذ به صاحبه حتى يكون عزما".

ثالثا: النوع الثاني هو الانخراط الإرادي، بأن تستدعي الفكرة وتتلذذ بها وترسخها وتتبعها بالفعل، وهذا هو المحاسب عليه، فما تصفه من أن الأفكار تأتيك حتى في الصلاة وقيام الليل، هو في الغالب من النوع الأول، وهو وسوسة شيطانية.

رابعا: قد سأل رجل النبي ﷺ عن الوسوسة في الصلاة قائلا: "يحول بيني وبين صلاتي وقراءتي!"، فقال النبي ﷺ: (ذاك شيطان يقال له خنزب)، وأمره بالتفل عن يساره والاستعاذة، ومن المفارقات اللطيفة أن الشيطان يشتد في إيذاء العابد تحديدا؛ لأنه يعلم أنه خصم قوي، فلا تظن أن وسوسته دليل على ضعف إيمانك، بل ربما هي دليل على قوته.

خامسا: ذكرت أن دماغك لا يكاد يتوقف عن التفكير، وأنه يفكر في الأمرين معا حتى لو حاولت الانشغال بغيره، وهذا ما يسميه علماء النفس تأثير المفارقة الإدراكية، وخلاصته أن محاولة قمع فكرة ما بالقوة غالبا ما تجعلها أشد إلحاحا، فحين تقول لنفسك لا تفكر في هذا؛ فإن الدماغ يحتاج أن يستحضر الفكرة أولا ليمنعها، فيكون قد استحضرها، فلو قال لك شخص: لا تفكر في صورة الفيل، فسوف تفكر فيها حتما! ولهذا فإن الحل ليس في الكبت المباشر، بل في الانتقال الفعلي.

سادسا: إليك بعض الخطوات العملية التي قد تساعدك بإذن الله:

- الخطوة الأولى: لا تحاربها بالمواجهة المباشرة، بل بالانتقال، فبدلا من أن تقول أبعد عني هذه الفكرة؛ قل سأقوم الآن وأشرب كوبا من الماء، أو سأفتح مصحفا وأقرأ بصوت خافت، فالانتقال الجسدي والعقلي معا هو الأنجع، وبمعنى أبسط.. إذا هجمت عليك الأفكار فلا تفكر كيف أتخلص منها؛ بل انتقل إلى عمل آخر فورا، فهذا يكسر دائرة الأفكار نفسها.

- الخطوة الثانية: أوصى النبي ﷺ الشباب الذي لا يستطيع الزواج بالصيام قائلا: (يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)، فالصوم يكسر حدة الشهوة الجسدية ويصفي الذهن ويقوي الإرادة.

- الخطوة الثالثة: للطاقة الجسدية قناة يجب أن تصرف فيها، والرياضة كالجري وكرة القدم والسباحة تصرف هذه الطاقة في مكانها الصحيح، وتفرز هرمونات الراحة في الدماغ.

- الخطوة الرابعة: ذكرت أن الأفكار تكثر عند النوم، وهذا طبيعي لأن الدماغ يكون في حالة استرخاء وضعف سيطرة، لذا اجعل آخر ما تفعله قبل النوم الوضوء وقراءة آيات المعوذتين واستبدل الاستلقاء الخامل بذكر الله حتى يأخذك النوم، وقد كان النبي ﷺ يقول حين يأوي إلى فراشه: (باسمك اللهم أموت وأحيا)...إلخ الدعاء.

- الخطوة الخامسة: إذا جاءت الفكرة في الصلاة فلا تنزعج ولا تنقطع، بل ركز في معاني الآيات التي تقرأها بدلا من الحروف فقط، وجرب أن تصلي ببطء أشد وتتأمل كل كلمة، لقول الله تعالى: واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين.

- الخطوة السادسة: ذكرت أنك تتوب ثم تعود، واعلم أن هذا بعينه هو المقصود بحديث النبي ﷺ: (كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون)، فالتوبة ليست حدثا يقع مرة واحدة، بل هي مسيرة مستمرة، والله عز وجل يفرح بتوبة عبده فرحا عظيما كما جاء في الحديث القدسي: (يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي).

سابعا: قد قيل في تربية النفس:
والنفس كالطفل إن تهمله شب على *** حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم
فالنفس تحتاج إلى تربية وتدريب تدريجي *** لا إلى كبت عنيف أو يأس مبكر

ثامنا: ذكرت أن دماغك لا يكاد يتوقف عن التفكير في عموم الأمور وأنه يفكر في أشياء متعددة في آن واحد، فإذا كان هذا يسبب لك ضيقا شديدا في الحياة اليومية خارج الموضوع الجنسي، فقد يكون من الحكمة استشارة متخصص نفسي؛ لأن هناك حالات مرتبطة بالتفكير المتسارع، يمكن أن تعالج بأساليب متخصصة، وطلب المساعدة قوة لا ضعف.

نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يعينك على نفسك وشيطانك، وأن يجعلك من الذين {والذين هم لفروجهم حافظون}، وتذكر دائما أن مجرد مقاومتك ورغبتك في الطهر هي نفسها عبادة يحبها الله، فلا تستصغرها.

والله الموفق.

مواد ذات صلة

الاستشارات