السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا شاب عمري عشرون عاما، مدخن، وكنت لا أصلي إلا يوم الجمعة وفي رمضان.
قبل نحو شهر، في اليوم الخامس من رمضان، رأيت في المنام أن ملك الموت جاءني وأن روحي تسحب، فاستيقظت خائفا، بدأت أستغفر، وحاولت العودة إلى النوم فلم أستطع.
انتظرت حتى وقت السحور، فتسحرت وحاولت النوم مجددا، لكن فكرة الموت ظلت تدور في ذهني، وأظن أن ذلك ما أدى إلى إصابتي بنوبة هلع؛ ظننت خلالها أن الموت قد حان، ثم مرت النوبة وتمكنت من النوم بعدها.
لكن فكرة الموت لم تغادر ذهني؛ فقد كنت شخصا عاصيا لله عز وجل، وهذا كان يسبب لي صعوبة في النوم، وتأتيني أفكار مثل: ماذا لو مت الآن؟ فتزداد نبضات قلبي، وأشعر بضيق في صدري، وأحيانا يصعب علي أداء الصلاة.
كنت أعيش بين شخصيتين: شخصية تعيش يومها بشكل طبيعي، وأخرى متشائمة تنتظر الموت في أي لحظة، وكانت الأخيرة هي المسيطرة في أغلب الأحيان.
مر رمضان، وكنت مواظبا على صلاتي وصلاة التراويح أحيانا، ثم جاء العيد، وهو يوم فرح، لكن فرحي لم يدم سوى ساعتين قبل أن تغلبني الأفكار السلبية ويعود التشاؤم، والآن أصبح الخوف من الموت المفاجئ وعذاب القبر هو ما يشغل بالي؛ أفكر: ماذا فعلت في حياتي؟ وهل يقبل الله صلاتي وتوبتي؟ وهل أستحق رحمته ومغفرته؟
ورغم أن الأفكار السلبية خفت قليلا، فإنها حين تعود تصيبني بالخوف، وأتخيل كيف سأموت، وماذا سيحدث لأهلي وأصحابي. حتى شهيتي للطعام تغيرت؛ صرت لا آكل كثيرا رغم شعوري بالجوع، وأصبحت أشعر بالنفور من الجلوس مع بعض أصدقائي لأنهم لا يصلون، ولا أعرف كيف أنصحهم.
جزء مني يعلم أن الموت أمر حتمي وخارج عن إرادة الإنسان، لكنني أحيانا أشعر بضيق في قلبي أو تسارع في نبضاته، فتأتي فكرة الموت المفاجئ، فأصبح متشائما، وأكثر ما يخيفني أن يتوقف قلبي فجأة.
حاليا أنا مواظب على الصلاة في المسجد، وأطلب العفو والمغفرة من الله تعالى، لكن حين يغلبني التشاؤم تراودني أفكار مثل: أنت لا تستحق المغفرة، وكيف يعفو الله عنك وقد كنت ترتكب الذنوب ولا تصلي، وتريد المغفرة لأنك صليت شهرا واحدا؟ وفي الليالي الثلاث الأخيرة أصبحت أستيقظ في منتصف الليل بلا سبب، وهذا أمر غير معتاد بالنسبة لي، خصوصا لحدوثه ثلاث ليال متتالية.
سبب قدومي إليكم هو أن تنصحوني، وتوضحوا لي إن كان ما أعانيه مشكلة نفسية، أم ضعفا في الإيمان، أم مزيجا من الأمرين.
وفي الختام: أعتذر إن أطلت الحديث، فأنا لا أعلم ما الذي يحدث لي، وكان هذا موضوعا أريد أن أطرحه منذ مدة.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أحمد .. حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يشرح صدرك وأن يثبت قلبك وأن يجعل ما تمر به باب هداية لا باب خوف، وما ذكرته مفهوم وله تفسير واضح، وليس غامضا كما تظن فاهدأ واستمع لنا بهدوء:
1- إن ما حدث معك بدأ من حلم هزك نفسيا، ثم تبعه تفكير متكرر في الموت، وهذا التفكير هو الذي ولد عندك نوبات هلع، وليس العكس، أي أن المشكلة بدأت من الفكرة ثم أثرت على الجسد، ولا شك أن الشيطان عظم ما عندك حتى يجعل الهلع صفة قائمة فيك لا عرضا زائلا.
2- إن الأعراض التي وصفتها من ضيق صدر، وتسارع نبض، وصعوبة نوم، وفقدان شهية، واستيقاظ مفاجئ، كلها أعراض نوبات قلق وهلع، وليست علامة على قرب الموت ولا على مرض في القلب ولا على أي وهم تسرب إلى نفسك.
3- إن ما تعيشه هو مزيج بين يقظة إيمانية وقلق نفسي؛ فاليقظة هي أنك تبت وبدأت تصلي وتفكر في الآخرة، والقلق هو أنك تضخم الفكرة حتى تحولت إلى خوف مرهق، مع العلم أن الخوف من الموت في الأصل شيء صحي إذا قاد إلى الطاعة، لكنه عندك تحول إلى وسواس وتشاؤم، وهذا يحتاج ضبطا لا زيادة تغذية.
4- إن فكرة (قد أموت الآن فجأة) هي فكرة وسواسية يدعمها الشيطان وليس لها أي علاقة بالحقيقة من قريب أو بعيد، وهي فقط لأجل تحزينك وشغلك، ولعلك لاحظت أنك كلما تتبعتها وجدت في نفسك اضطرابا في قلبك ونبضك وهذا ما يريده الشيطان منك أن تعيش في خوف دائم.
5- إن أهم ما تحتاج إليه الآن هو أن تفصل بين الخوف النافع والخوف المرضي؛ فالنافع يدفعك للصلاة والتوبة، والمرضي يشل حياتك ويمنعك من النوم والأكل.
6- إن الأفكار التي تأتيك مثل: (لن يغفر لك) هذه ليست من الله، بل هي وساوس قهرية، لأن الله يقول: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله}، فكيف يدعوك ثم يطردك، والله أرحم بك من نفسك وأمك فاطمئن.
7- إن توبتك في رمضان ومواظبتك الآن على الصلاة أمر عظيم، والله لا يطرد عبدا رجع إليه، بل يفرح به كما في الحديث الصحيح: (لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه)، فلا تسمح للفكرة أن تشككك في ذلك.
8- إن الاستيقاظ ليلا لعدة أيام متتالية طبيعي جدا مع القلق، لأن الدماغ يكون في حالة استنفار، فلا تفسره على أنه شيء غيبي ولا تتجاوب معه حتى لا تصاب بالقلق.
9- إليك الحل العملي مع هذه الأفكار، فإذا جاءتك فكرة الموت المفاجئ قل: هذه فكرة وليست حقيقة، فلا يعلم الغيب إلا الله، وأنا عبد وهو رب، والله يفعل ما يشاء، كما يجب ألا تراقب نبضك ولا تنشغل بجسدك، بل قم وتوضأ أو اشغل نفسك مباشرة.
10- عليك أن تنظم نومك وطعامك، لأن الجسد إذا ضعف زادت هذه الأعراض.
11- بخصوص أصحابك، لا تنفر منهم فجأة ولا تنعزل تماما، بل انصح بلطف، وابتعد عن البيئة التي تضعفك دون قطيعة حادة، واستكثر من الأصحاب الصالحين ونوع من تلك الصداقات.
12- أنت الآن في مرحلة انتقال، حيث خرجت من غفلة إلى وعي، ولكن الشيطان عن طريق الوسواس أراد أن يدخلك في مبالغة في الخوف والقلق، فلا تعطه تلك الفرصة، ولا تتجاوب معه.
وفي الختام: ما تمر به ليس علامة سوء، بل بداية خير تحتاج إلى ضبط، فاستمر على صلاتك وهدئ فكرك ولا تستسلم للوساوس، ومع الوقت سيهدأ قلبك وتستقر بإذن الله، والله الموفق.