السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أعيش في بلد مسلم غير عربي، وقد تعرفت على فتاة أراها مناسبة لي للزواج، وأرغب في التقدم إلى أهلها، لكن والدي يرفضان ذلك لمجرد أنها أجنبية، وقد اختارا لي فتاة من العائلة في سن الزواج، ويرغبان في أن أتزوجها، لكنني لا أشعر بقبول أو توافق معها، خاصة أنني أعرف الفتاة الأولى، وقد قالت لي أمي: إن تزوجت الأولى فلا تكلمني مجددا.
فهل أكون آثما إذا لم أستجب لرغبة والدي؟ وهل يعد الزواج من الفتاة الأولى خطأ؟ وهل ينبغي لي أن أقنع نفسي بالثانية، أم أمتنع عن الزواج، رغم قدرتي عليه؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -ابننا الفاضل- في الموقع، ونشكر لك الاهتمام والحرص على السؤال، ونحيي رغبتك في بر الوالدين والتأثر بكلامهما، وهذا دليل على أنك في خير وعلى خير.
طبعا أنت صاحب القرار في الزواج، وإذا كانت الفتاة المذكورة صاحبة دين وصاحبة أخلاق وعندها استعداد في أن تكرم أهلك وتقدر مشاعرهم وتهتم بهم؛ لأنك قطعا ستعود بين الفينة والأخرى، كما أن والدك ووالدتك أجداد لأبنائك وأصحاب فضل عليك وعليها، إذا كانت ستقدر هذا، فلا مانع من أن تقدم على مشروع الزواج، بعد الاجتهاد الشديد في إرضائهما وتعريفها بهما، وتحسين صورتها عندهما، وذكر مشاعرها النبيلة لهما، واتخاذ العقلاء والدعاة في بلدك، ليكونوا في صفك حتى يقنعوا الوالد والوالدة، ونسأل الله أن يعينك على برهما وعلى الإحسان إليهما.
ومع ذلك، مهما حصل منهما ينبغي أن يأخذا حقهما من البر والاهتمام والإنفاق عليهما، والوقوف إلى جوارهما، فالإنسان لا يملك أغلى من والديه، وهم أولى الناس بالإنسان، وخاصة الوالدة فإن حقها مضاعف.
وأرجو أيضا أن تصحح المفاهيم وتعرف لماذا يخافون من الزواج من فتاة أجنبية، هل هناك تجارب سيئة أمامهم، أم لأنه لا يوجد تفاهم، أم لأنهم يرغبون في أن يربطوك ببعض الأهل؟ وهل هناك إمكانية في أن يعطوا غير هذه الفتاة؟ إذ إن الزواج عن رغبة، وأنت تظلم الفتاة إذا كنت لا تتزوج بفتاة لا تجد في نفسك ميلا إليها، فهذا الزواج لا تصلح فيه المجاملة، ولكن في نفس الوقت ينبغي أن تجتهد في إرضاء والديك قبل الزواج، وهذا هو الأفضل، ثم تجتهد في الاستمرار في برهما والإحسان إليهما حتى تفوز برضاهما.
ونحن في الزواجات التي تتجاوز الحدود لا بد أن نراعي القوانين المنظمة للعلاقات الأسرية، ومستقبل الأطفال، وإمكانية انتقالهم، وهل هناك تجارب مثيلة ناجحة؟ وهل المجتمع يمكن أن يتقبل هذا الزواج وهؤلاء الأبناء؟ واعلم أن البركة والخير كل الخير في أن يفوز الإنسان بزوجة يرضى عنها الوالد وترضى عنها الوالدة؛ لأن هذا مما يعين على أداء الواجبات المختلفة، وهذه أمور لا بد من مراعاتها.
وحتى لو تزوجت ينبغي أن يكون همك أن تحسن إليهما وتضاعف ما تقوم به، فإذا كنت الآن ترسل لهما مصروفا فضاعف المصروف، وإذا كنت الآن تهتم بهم وتسافر إليهم فضاعف أوقات وجودك معهم، كل هذا حتى لا يشعروا أن الفتاة الجديدة سلبت منهم ابنهم وأبعدته عنهم، وهذه لعلها بعض المخاوف، وأنت أعلم بالمخاوف التي تدور في أذهانهم، فاجتهد في توضيح الأمور، واتخذ من العقلاء والعلماء والفضلاء والمؤثرين أعوانا لك في إقناع الوالد والوالدة، ونسأل الله أن يقدر لك الخير ثم يرضيك به.
إذا؛ إذا كانت هي صاحبة دين، وهم لا يرفضون إلا لهذا الاعتبار، وليس رفضهم لاعتبار شرعي، فهذا أيضا مهم، فإذا كان الرفض لاعتبار شرعي فيجب أن يطاع الوالد وتطاع الوالدة، أما إذا كان الاعتبار لمجرد أنها ليست من بلدهم، أو لمجرد أنها بعيدة عنهم، إلى آخر هذه الأمور التي غالبا ما توجد، فهنا الإنسان يفعل ما فيه مصلحة شرعية، ويتزوج من تعفه وتعينه، ويجتهد في إرضاء والديه، ويبالغ في السير في هذا الطريق، ولا يقابلهم بالمثل حتى لو غضبوا، ويجتهد في إرضائهم والقيام بواجبه تجاههم، نسأل الله أن يعينك على النجاح في إرضائهم وإسعادهم قبل الزواج وبعده، وأن يقدر لك الخير ثم يرضيك به.