وسواس النية والخشوع والتدبر أثقل علي عباداتي، فأرشدوني!

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا أعاني من وسواس منذ عشر سنوات، وقد اشتد علي مؤخرا في النية وتكبيرة الإحرام؛ حيث أقف قبل كل صلاة فريضة لدقائق حتى أنوي ما هي الصلاة ولماذا أصليها، وأستحضر أن أول خطوة لبدء الصلاة هي تكبيرة الإحرام، وكيف سأؤديها (أرفع يدي وأنطق بالتكبير في اللحظة ذاتها)، وفي أي نقطة بالضبط ستبدأ صلاتي، وقد أنتهي ثم لا أستطيع أن أكبر كأن شيئا يمنعني، أو أكبر ثم أعيد، وقد أحلف ألا أعيد النية أو التكبيرة ثم أعيدها، وقد تستغرق مني الصلاة نصف ساعة أو أكثر، وهذا الأمر أتعبني كثيرا.

وكذلك لدي وسواس في الخشوع والتدبر عند تلاوة القرآن؛ وهذا أثقل علي قراءة القرآن ومصاحبته وأبعدني عنه؛ فتراني إذا بدأت القراءة أحمل هم حسن تدبر الآيات التي سأتلوها، وأنه لا بد أن تؤثر في، وأن أستحضر عند كل آية أن الله يخاطبني، فأكرر بعض الآيات عدة مرات حتى أتدبر وأتأثر، وأشعر أني مرغمة على ذلك فيصبح الموضوع ثقيلا، لم أعد أفرق بين رغبتي الحقيقية في التكرار وبين الرغبة القهرية لذلك؛ لكون الآية عظيمة ولا بد أن أتأثر بها، وقد أحمل هم السورة أو الصفحة القادمة؛ لأن فيها آيات عظيمة تلامس القلب، وهذا الأمر يشتد علي خصوصا؛ لأني قرأت وسمعت كثيرا عن أهمية تدبر القرآن والاستهداء به، وأهمية استحضار أن الله يخاطبك بهذه الآيات، والأمر يجهدني من الناحية الذهنية والنفسية عند كل قراءة للقرآن بدل أن يكون القرآن لي زادا وطمأنينة.

وأيضا يتكرر الموضوع عندي في الدعاء، خاصة أني سمعت كثيرا عن أهمية حضور القلب عند الدعاء، والافتقار إلى الله، وحسن الظن به، واليقين بالإجابة وغير ذلك؛ فأحاول أن أجمع بين كل هذه المعاني عندما أدعو، ثم إني كثيرا ما أكرر دعوة ما عدة مرات لأنها مهمة، أو لأني لم أدع من قلبي في المرة الأولى، أو لم أتضرع لله كما ينبغي، وأشعر أحيانا أن هذا التكرار قهري.

وحقيقة لا أمانع أن أكرر عدة مرات إذا كان الأمر برغبتي للخشوع والإلحاح، لكن أشعر أني لا بد أن أعيد وأكرر. وأيضا إذا جئت أدعو بدعوة معينة (كالهداية أو الشفاء) فلا بد أن أستحضر كل صور هذه الدعوة وما تشمله (أمراضي بالتفصيل مثلا). ووسواس الخشوع بالذات أثقل علي تلاوة القرآن والدعاء وأفقدني لذتهما وروحهما، فصرت أشعر أنها مهام ثقيلة لا بد أن أنجزها، فلم أعد ألتزم بالورد القرآني والدعاء.

أعتذر جدا على الإطالة، وأرجو أن تشمل إجابتكم كل الأنواع التي ذكرتها، جزاكم الله خيرا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ صفا حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك -ابنتنا العزيزة- في استشارة إسلام ويب، ونشكر لك تواصلك بالموقع، ونسأل الله أن يمن عليك بالعافية والشفاء، وأن يصرف عنك شر هذه الوساوس.

نحن ندرك -أيتها البنت الكريمة- المعاناة التي تعيشينها بسبب هذه الوساوس، ولكن التخلص من هذه المعاناة سهل يسير بإذن الله، إذا استعنت بالله وأخذت بالتوجيهات النبوية لمن أصيب بشيء من الوساوس، وحاولت تطبيقها مستعينة بالله تعالى؛ فإنك ستجدين نفسك تتخلصين من هذه الوساوس شيئا فشيئا حتى يذهب عنك شرها بالكلية.

نحن قرأنا رسالتك كلمة كلمة، وتقريبا أحطنا بكل ما ورد في سؤالك من تفصيلات وتفريعات، وبداية نقول: كل ما في السؤال -أيتها البنت الكريمة- من آثار هذه الوساوس، ومظهر من مظاهر الاعتناء بها والتفاعل معها، والمطلوب منك هو عكس هذا الحال تماما؛ حتى تريحي نفسك من عناء هذه الوساوس ومن ثقلها وشدتها عليك، ينبغي أن تتخذي منهجا مغايرا لهذا المنهج الذي تفعلينه الآن.

ففي القضية الأولى (قضية النية في الصلاة واستحضار هذه النية)؛ الأمر أيسر بكثير مما أنت تفعلينه؛ فالنية محلها القلب، وهو القصد، وبلا شك ولا ريب أنك عندما تقومين للصلاة في قلبك قصد واضح، وهو أنك ستصلين الصلاة المعينة الفلانية، فلا تحتاجين إلى أكثر من هذا، ولا يمكن للإنسان أن يفعل شيئا بلا نية، لا بد أنه ينوي أمرا معينا بفعله، فأنت لا يمكن أن تقومي للصلاة إلا وأنت تقصدين في قلبك الصلاة المعينة (الظهر أو العصر) أو غيرهما.

فلا تلتفتي لهذه الوساوس التي تحضرك من كل التفصيلات والتفريعات التي ذكرتها في سؤالك؛ يكفي هذا القصد الموجود في قلبك، واعلمي أن هذا القصد يصح عند تكبيرة الإحرام، ويصح أن يكون قبل تكبيرة الإحرام ولو بزمن طويل، كما قال ابن تيمية رحمه الله، فأنت حاولي أن تفعلي بهذا التوجيه، واجتنبي التفكر بالطريقة التي ذكرتها في السؤال، وبذلك ستتخلصين -بإذن الله تعالى- من وسواس النية.

ومما يعينك على هذا: أن تدركي تمام الإدراك وتقتنعي كامل القناعة أن الله تعالى يحب منك العبادة أن تؤديها بالسهولة واليسر الذي شرعه الله، وبينه العلماء، وأن كل وساوس الاحتياط للدين، والاعتناء بالعبادة التي يحاول الشيطان أن يظهرها لك؛ إنما هي مخالفة للشريعة، وليس فيها شيء من رضا الله تعالى.

إذا أيقنت بهذه الحقيقة سهلت عليك العبادة، واعلمي أن الله يقبل منك العبادة كيفما كانت، لا تتأثري أبدا بالاحتياط والورع والخوف الذي تمليه عليك الوساوس.

أما بالنسبة لقراءة القرآن؛ فالمطلوب منك أن تقرئي القرآن، وكل حرف بحسنة والحسنة بعشر أمثالها، وهذا الثواب يحصل لك سواء قرأته بتدبر أو بغير تدبر، فينبغي أن تجعلي نصب عينيك ومن أهدافك الاستكثار من قراءة القرآن، بغض النظر عن قضية التدبر، وأن قراءة القرآن في حد ذاتها عبادة مطلوبة من الإنسان، أن يقرأ ويستكثر من القراءة.

وإذا أردت الكمال والتمام؛ فيمكن أن تخصصي جزءا من وقتك لقراءة تفسير مبسط لبعض آيات القرآن، ثم تقرئين هذه الآيات وتتفهمينها وفق التفسير الذي قرأته، وتكتفي بهذا المقدار، وبهذا تضبطين تصرفاتك في قضية قراءة القرآن الكريم، وتصلين إلى العبادة التي طلبها الله تعالى منك بعيدا عن إملاءات الوسوسة.

وكذلك الأمر نفسه نقوله في الدعاء؛ حاولي أن تدعي ربك بما ترينه من مصالحك الدنيوية، مع الأدعية بالدعوات الأخروية، ولا داعي إلى كل هذا التشدد في استحضار صور هذه الدعوة التي تسألينها من ربك، فإذا سألته الشفاء فالله تعالى سيمن عليك بالشفاء من كل الأدواء والامراض، ولا داعي لاستحضار كل مرض.

وكذلك الهداية؛ إذا سألت ربك الهداية فإنه سيوفقك للهداية بجميع مراتبها، لا داعي لأن تكثري من الوسوسة والتساؤلات حول جزئيات الدعوة التي تسألينها من ربك؛ فإن الله تعالى يعلم ما في نفسك، لا تخفى عليه خافية، اسألي الله تعالى، ولا بأس من تكرار الدعوة الواحدة مرات عديدة، بقصد الحرص على حصولها؛ فإن الله تعالى يحب كثرة الدعاء، وكثرة السؤال، ولكن ليس بدافع الوسوسة أو الشك في أنك سألتها على الوجه الصحيح أم لا، اسألي ربك، وأكثري من دعائه دون التفات لهذه الأفكار الوسواسية.

بهذه الطريقة ستتخلصين -بإذن الله تعالى- من الوساوس وتنجين من شرورها، استعيذي بالله من الشيطان الرجيم كثيرا كلما داهمتك الوسوسة، وتحصني بالإكثار من ذكر الله تعالى، مع اتباعك لهذا المنهج الذي ذكرناه لك من الإعراض الكامل عن الوساوس وعن إملاءاتها، وستجدين نفسك تتخلصين -بإذن الله تعالى- من شرورها وآثارها.

مع ذلك كله ننصحك بالتوجه إلى الطبيب النفسي لعله يصف لك من الأدوية ما يساعدك على اعتدال المزاج وإرجاع الجسد إلى حالته الطبيعية.

نسأل الله لك عاجل العافية والشفاء.

مواد ذات صلة

الاستشارات