مثقلة بالخطايا ولا أشعر بالندم مع أن نفسي تشتاق للتوبة!

0 0

السؤال

أشعر أنني مثقلة بالخطايا، وأنني ضائعة تماما من كل جانب؛ فكل الخطايا التي يمكن تخيلها قد اقترفتها.

أحيانا أفكر في الانتحار، لكني جبانة، أو ربما خائفة من الله، أشعر أنني لست نادمة على أي ذنب فعلته، مع أنني أتمنى من كل قلبي أن أتوب، ولكن كيف أتوب وأنا لا أشعر بالندم؟

أنا تائهة ولا أعرف من أين أبدأ أو إلى أين أذهب! سبعة عشر عاما وأنا أذنب وأخطئ؛ لم أنا؟! بصدق لم أنا؟ لقد كنت صغيرة، ألم يكن من المفترض أن يحميني الله؟ لم لم يحمني؟ هل هو من وضعني في المعصية؟ لم الآن يريدني أن أعود؟ لم لم يحمني من البداية؟

أحيانا أفكر في الانتحار لكني خائفة من الله، أشعر أنني لست نادمة على ذنوبي، مع أن نفسي تشتاق للتوبة، ولكن كيف السبيل وأنا لا أشعر بذلك الشعور في قلبي؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ منة الله حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك أختي الفاضلة في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يوفقنا وإياك لصالح القول والعمل.

بداية أختي الكريمة: ما يظهر في سؤالك هو مشاعر ألم صادقة، ورغبة حقيقية في إصلاح النفس والتوبة النصوح، وهذا في ذاته دليل خير عظيم في نفسك؛ فالنفس اللوامة ما زالت حاضرة في قلبك، تلومك على التقصير، وتؤنبك على الوقوع في الذنب، وتدفعك نحو التوبة والرغبة في إصلاح النفس وتهذيبها.

أختي الفاضلة: إن لغة اليأس والقنوط هي أخطر الأبواب التي يدخل منها الشيطان إلى قلب العبد، ليقنطه من رحمة الله، ويغلق في وجهه أبواب التوبة، بينما الله سبحانه وتعالى أخبرنا أن العبد مهما أسرف على نفسه بالمعاصي، ومهما عظمت ذنوبه وتكررت، فإنه إذا تاب إلى الله وحقق شروط التوبة الصادقة من الإقلاع عن الذنب، والندم على فعله، والعزم على عدم الرجوع إليه؛ فإن الله يغفر له، ويفتح له صفحة جديدة نقية، قال الله تعالى (قل يا عبادي الذين أسرفوا علىٰ أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ۚ إن الله يغفر الذنوب جميعا ۚ إنه هو الغفور الرحيم)، فتأملي كيف قال: "أسرفوا"، أي بالغوا وكثرت ذنوبهم، ومع ذلك لم يغلق الباب، بل دعاهم دعوة رحمة ولطف؛ فدل ذلك على سعة رحمته، وعظيم فضله وكرمه.

إذا أختي: لا بد أن تدركي أن سعة رحمة الله أعظم من ذنوبك مهما كثرت، وأن القنوط واليأس لا يزيدانك إلا بعدا، وأن تعظيم الذنب إذا أورث يأسا فهو من مداخل الشيطان، لا من تعظيم الله وسعة رحمته.

لا يوجد بشر لا يقع في الذنب، حتى الصالحون وأهل التقوى، ولكن الفارق أن التقي إذا زلت قدمه، بادر إلى التوبة، ولم يصر على الذنب، بل رجع إلى الله سريعا، قال الله تعالى:(إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون)، وقال تعالى:(والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا علىٰ ما فعلوا وهم يعلمون)، ويجتهدون بعد التوبة في الإكثار من الأعمال الصالحة التي تمحو أثر الذنب في القلب، قال الله تعالى:(وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل ۚ إن الحسنات يذهبن السيئات ۚ ذٰلك ذكرىٰ للذاكرين).

من أجل ذلك أختي الكريمة، نضع لك مجموعة من التوجيهات العملية التي تعينك على التوبة والثبات:
أولا: ترك أسباب المعصية:
لا يقع الإنسان في الذنب فجأة، بل يسير إليه عبر أسباب وطرق، ولذلك لا ينبغي للإنسان أن يلوم الله أو القدر –والعياذ بالله- وقد أعطاه الله عقلا يميز به، وبين له طريق الخير والشر عبر تشريعاته ورسله، قال صلى الله عليه وسلم:(إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه)، ومن أهم أسباب الوقاية:

• غض البصر: قال الله تعالى: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن)، فإطلاق البصر في المحرمات يضعف القلب، ويجره إلى الشهوة.

• الرفقة الصالحة: فهي التي تعينك على الطاعة، وتحفظك من المعصية، بخلاف رفقة السوء التي تهون المنكر في القلب وتدفعك إليه، قال الله تعالى: (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين).

• الابتعاد عن وسائل المعصية: فالقرب منها يضعف القلب ويجر إلى الوقوع فيها.

• شغل الوقت بالنافع: فالفراغ بيئة خصبة للمعصية؛ لذلك كان الانشغال بالعلم والعمل والعبادة وحفظ القرآن وتلاوته، وسماع المواعظ، فيحفظ النفس، ويزيد الإيمان.

ثانيا: بناء العلاقة مع الله:
لا يكفي ترك الذنب، بل لا بد من ملء القلب بالطاعة، قال الله تعالى في الحديث القدسي:(وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)، فحافظي على الصلاة، وأكثري من الذكر، وتلاوة القرآن، والاستغفار، فإن هذه الأعمال تقوي القلب وتثبته.

ثالثا: اجعلي لحياتك هدفا ولوجودك قيمة:
أنت خلقت لغاية عظيمة، فلا تجعلي حياتك تدور حول الذنوب والشهوات، بل اجعلي لك هدفا ساميا تسعين إليه، فمع وجود الهدف والسعي إليه يضعف الانشغال بالمعاصي.

رابعا: فهم حقيقة الابتلاء:
قال الله تعالى:(ونبلوكم بالشر والخير فتنة)، وقال تعالى:(إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا)، فالله حماك من الزلل عندما أعطاك القدرة على الاختيار، وبين لك الطريق عبر رسوله وتشريعاته، ولم يجبرك على المعصية، وإذا حدث منك خطأ لم يجعله النهاية، بل فتح لك باب التوبة لتعودي إليه وتتعلمي من خطئك، ولو أجبرك الله على المعصية لما كان للتشريع قيمة، ولا يكون للابتلاء والامتحان هدف -تعالى الله عن ذلك-.

خامسا: لماذا لا تشعرين بالندم؟
من أهم أسباب هذا الشعور كثرة الذنوب مع عدم التوبة حتى تصبح عادة لا لذة فيها ولا متعة؛ فيضعف الإحساس بها، وهذا أمر خطير؛ لأن الندم ومشاعر الألم هي مفتاح التوبة والرغبة في التغيير، وحتى تزول هذه المشاعر لا بد من إصلاح القلب بالإكثار من الأعمال الصالحة والدعاء والتضرع إلى الله تعالى.

سادسا: الحذر من التفكير في الانتحار:
أختي الفاضلة: هذا باب يريد الشيطان أن يهلكك من خلاله ويقطع عليك طريق التوبة والرجوع إليه، كما أنه طريق الهلاك في الآخرة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من تردى من جبل فقتل نفسه، فهو في نار جهنم يتردى فيه خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تحسى سما فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا)، فلا تستسلمي لهذه الأفكار، بل اعلمي أنك في بداية الطريق، وقادرة على التغيير بإذن الله.

أخيرا أختي الفاضلة: قال الله تعالى: (من عمل صالحا من ذكر أو أنثىٰ وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة)، هذا وعد من الله لمن آمن وعمل صالحا، وقال أيضا: (ألا بذكر الله تطمئن القلوب)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ألا وهي القلب ..)، فعلاجك أختي في قربك من الله تعالى، والتغلب على مشاعر اليأس، وعدم القنوط بمعرفة سعة رحمة الله وفضلة، والمبادرة إلى الابتعاد عن أسباب المعاصي وما يضعف قلبك.

فأصلحي ما بينك وبين الله؛ يستقم حالك كله، وبادري بالتوبة مع كل ذنب، ولا تيأسي، فالله كريم رحيم، يفرح بتوبة عبده، ويعينه إذا صدق، قال الله تعالى (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)، فبالمجاهدة والصبر تحققين ما تريدين بإذن الله تعالى.

وفقك الله، ويسر أمرك، وثبتك على طاعته.

مواد ذات صلة

الاستشارات