السؤال
السلام عليكم.
لقد شاهدت أشياء لا ترضي الله وأنا بمفردي، وكتبت أشياء لا ترضي الله في محادثات "عكس الفطرة"، ولكني أمام الناس أبدو صالحا، ولكنه ستر الله علي.
أريد أن أتوب توبة نصوحا، فماذا أعمل؟ وماذا أترك؟ فقد تعبت، وأشعر بأني مخنوق من أفعالي، ولا أجد من أتكلم معه!
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ علي حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -أخانا الفاضل- في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يوفقنا وإياك لصالح القول والعمل.
بداية: فإن مشاعر الألم والحزن، ورفضك للأخطاء التي تقع فيها، هي دليل خير في نفسك، وعلامة على حياة في قلبك، واستجابة لنداء الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها؛ فالوقوع في الفواحش، والذنوب، والمعاصي يصادم فطرة الإنسان المؤمن، ويؤلمه داخليا، لكن النفس قد تمر بلحظات ضعف ووهن، فتزل وتتعثر، وهذا أمر واقع في طبيعة البشر، غير أن هذا السقوط لا يعني النهاية، ولا يدل على العجز التام، بل إن الله تعالى فتح باب التوبة والاستغفار ليبدأ الإنسان صفحة جديدة، ويطهر قلبه مما علق به من ذنوب وخطايا، حتى لا يكون الخطأ أو الزلل نهاية الطريق، قال تعالى: (قل يا عبادي الذين أسرفوا علىٰ أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ۚ إن الله يغفر الذنوب جميعا ۚ إنه هو الغفور الرحيم)، وقال صلى الله عليه وسلم: (كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون).
أخي العزيز: الله سبحانه وتعالى فتح باب التوبة؛ لأن الإنسان بطبيعته معرض للخطأ، والزلل، والنسيان، والضعف ، فمهما عظمت ذنوبك، وكثرت معاصيك، فلا تقنط من رحمة الله، ولا تيأس من إصلاح نفسك؛ فإن الشيطان يريد منك اليأس والقنوط، ليصرفك عن التوبة، ويغرقك في الشهوات والمعاصي، حتى تثقل عليك العودة إلى الله تعالى.
وحتى نجيبك عن سؤالك المحوري: (ماذا أعمل؟ وماذا أترك؟)، سنضع لك خطوات واضحة في طريق التوبة، تحتاج إلى سعي صادق واجتهاد حتى ترى أثرها في حياتك، ويبدل الله حالك من القلق والحزن إلى السكينة والطمأنينة.
أولا: ابدأ التغيير بنفسك؛ ولا تنتظر أحدا ليغير حياتك، بل بادر أنت، واجتهد في بناء ذاتك، قال تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتىٰ يغيروا ما بأنفسهم)، فالتغيير يبدأ بعزيمة صادقة، وإرادة حقيقية، ورغبة في الإصلاح، وسؤالك هذا دليل واضح على وجود هذه الرغبة، فاستثمرها ولا تهملها.
ثانيا: اقطع أسباب المعصية ووسائلها؛ فكل ذنب له أبواب ووسائل تؤدي إليه، والاستمرار في التعرض لها يجعل الوقوع في المعصية أمرا سهلا، خاصة مع ضعف الإيمان، وانتشار الشهوات، لذلك عليك أن تتعرف على أسباب وقوعك في المعاصي، وتغلقها بإحكام، ومن أهمها:
• إطلاق البصر في الحرام: وهو من أعظم أسباب إثارة الشهوات؛ فالنظرة تجر القلب إلى التعلق والتمني، لذلك قال تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ۚ ذٰلك أزكىٰ لهم ۗ إن الله خبير بما يصنعون) فاحفظ بصرك، وابتعد عن كل ما يثير الشهوة في الإنترنت، ووسائل التواصل، وغيرها.
• أصدقاء السوء والأماكن الفاسدة: فهؤلاء يزينون المعصية، ويهونونها، ويضعفون القلب، فاهجر كل من يذكرك بالذنب، وكل مكان يقودك إليه، وفي المقابل ابحث عن أصدقاء الخير، والصلاح الذين يذكرونك بالله، ويعينوك على الخير.
• الخلوة مع الفراغ: فالعزلة الطويلة دون هدف تفتح أبواب التفكير في الشهوات، ومع الإفراط في الأكل والشرب تزداد قوة الشهوة، وإذا اجتمع ذلك مع ضعف الإيمان، ضعفت النفس أمام المعصية.
ثالثا: أشغل نفسك بالنافع، وزاحم التفكير بالشهوات والمعاصي بالمبادرة إلى العمل والخير؛ فالنفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل، وإن لم تشغلها بالخير شغلتك بالشر، فاجعل لك برنامجا يوميا نافعا لا يتيح للنفس التفكير بالشهوات، مثل:
• التحاق بحلقات تحفيظ القرآن.
• حضور دورات تنمي مهاراتك.
• طلب العلم الشرعي.
• تطوير قدراتك في مجالات مفيدة ونافعة؛ فكل ذلك يملأ وقتك، ويرفع مستواك، ويبعدك عن الوقوع في المعصية.
رابعا: أكثر من الطاعات، وعمر قلبك بالذكر، واجعل لك نصيبا ثابتا من تلاوة القرآن، والاستغفار، وذكر الله، والحرص على الصلاة والنوافل، والدعاء؛ فهذه الأعمال تقوي القلب، وتحصنه من الوقوع في الذنوب، قال تعالى: (وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل ۚ إن الحسنات يذهبن السيئات ۚ ذٰلك ذكرىٰ للذاكرين)، فلا تترك قلبك فارغا، بل املأه بالطاعة حتى يضعف سلطان المعصية عليه.
خامسا: حدد هدفك في الحياة، واسأل نفسك بصدق: لماذا خلقت؟ وما الذي أريد أن أصل إليه؟ هل خلقت للغرق في الشهوات، وتضييع شبابي؟! فأنت أكرم وأعلى من ذلك، وأعظم قدرا من أن تستهلك عمرك، وزهرة شبابك في المعاصي والشهوات، قال -صلى الله عليه وسلم-: (لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه...) هذه الأسئلة تجعلك تشعر بأهمية حياتك، وتزيد من قوة الإرادة على التغيير والبناء.
أخي العزيز: كل الناس يخطئون ويقعون في الذنوب، لكن الفارق أن المؤمن الصادق يبادر إلى التوبة دون تأخير أو تسويف، ويحقق شروطها قدر استطاعته، وهي: الإقلاع عن الذنب، والندم عليه، والعزم على عدم العودة إليه، فإذا صدقت، وأخلصت في ذلك، غفر الله لك، وبدأت صفحة جديدة نقية في حياتك، قال تعالى: (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا علىٰ ما فعلوا وهم يعلمون) فالله كريم رحيم، يقبل التوبة، ويغفر الزلل، ويفرح بتوبة عبده إذا رجع إليه، فلا تكن أسير الحزن والندم، بل اجعلها دافعا للانطلاق، فما زلت شابا، وأمامك فرصة عظيمة لتبني نفسك، وتكون إنسانا نافعا لدينك ومجتمعك وذاتك.
وإذا توفرت لديك باءة الزواج من فتاة صالحة فبادر إليه، ولا تتأخر؛ فإنه خير ما يعين على غض البصر، وتحصين الفرج، وإصلاح القلب، وإذا لم تتوفر لك الباءة فاجتهد على تحقيقها قدر استطاعتك، والله سيعينك على هذا السعي، ويوفقك فيه.
وأخيرا أخي العزيز: الزم الدعاء في كل حال، وألح على الله أن يعينك على التوبة، ويذهب عنك كيد الشيطان، وابدأ من الآن، لا تؤجل أو تسوف، وأكثر من تلاوة القرآن، والنوافل؛ فهي ترقق القلب، وتزيل القلق، وتبعث الطمأنينة، وتعينك على الثبات، ومع الصبر والمجاهدة، وستصل -بإذن الله-، وتحقق ما تريد، فلا تستعجل النتائج، قال تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا).
وفقك الله ويسر أمرك.