السؤال
السلام عليكم.
تعرضت لظلم كبير وكثير سابقا، ولكني لم أختر المواجهة؛ وكنت أتحمل وأحاول أن أجد الطريق للانسحاب، وغالبا ما لا أجده، وأنا دائما أتحمل لدرجة أن قلبي مملوء بالضغينة، وكلما تذكرت الظلم انتابني شعور الكره والغضب، وأحاول أن لا ألتقي بمن آلمني، إلا أنه من أهل صلة الرحم، فأنا الآن لا أعرف كيف أتخلص من ذلك؟ ولا أعرف كيف أسامح؟
الآن أريد أن أتحرر من هذه المشاعر؛ لأنها تؤذيني كثيرا، وأريد أن أزكي نفسي، لكن لا أعرف كيف؟ فإن قطعت رحمي خفت غضب الله، وإن وصلته أحس بالذل والاحتقار والإذلال، فلا أعلم كيف أتخلص من ذلك؟ فبماذا تنصحونني؟
جزاكم الله كل خير.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ جويدة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكر لك تواصلك مع موقع اسلام ويب، وحياك الله -أختنا الكريمة-، ونسأل الله أن يجزيك خيرا على ما في قلبك من حرص على الخير، فإن سؤالك، وحرصك على صلة الرحم، وخوفك من قطيعتها، دليل على حياة قلبك، وتعظيمك لأمر الله، وهذه خصلة حميدة عظيمة؛ فقد قال الله تعالى: ﴿واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام﴾، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه)، فحرصك على ذلك باب أجر عظيم، نسأل الله أن يثيبك عليه.
ولا شك أن ما مررت به من ظلم وأذى، خاصة إذا كان من الأقارب، أمر مؤلم للنفس، يترك أثرا عميقا في القلب، فالإحساس بالقهر، والخذلان من أهل القربى أشد وقعا من غيرهم، ومن الطبيعي أن تتولد مشاعر الغضب والحزن مع تكرار الأذى.
ولكن مما ينبغي فهمه أن كثرة التحمل، وكبت المشاعر، والاستمرار في الضغط على النفس دون تفريغ أو معالجة، يؤدي مع الوقت إلى تراكم هذه المشاعر؛ حتى تتحول إلى ضيق داخلي، وربما ضغينة تثقل القلب، ولذلك فإن العلاج لا يكون بإنكار هذه المشاعر، بل بالتعامل معها بطريقة متوازنة.
فالإسلام لم يطلب منك أن تسمحي للآخرين بإيذائك، كما لم يأمرك بقطعهم، بل أرشد إلى التوازن؛ فتصلين من أمرك الله بصلته، وتحسنين بقدر استطاعتك، لكن دون أن تتركي المجال للإيذاء المتكرر، فمن حقك أن تضعي حدودا واضحة، وأن تتجنبي مواطن الأذى، وأن تعبري عما يضايقك بأسلوب هادئ وحازم في الوقت نفسه.
والمواجهة –أحيانا– تكون حلا مع بعض الأشخاص، خاصة إذا كان الأذى متعمدا ومتكررا، وليس في ذلك قطيعة، بل هو من حفظ النفس وصيانتها، وقد يكون سببا في تعديل سلوك الطرف الآخر، وإن لم يتغير، فيكفيك أن تقللي الاحتكاك، وتكتفي بالحد الأدنى من الصلة التي تبرئين بها ذمتك أمام الله.
وتذكري أنه ليس كل من حولك سواسية؛ فكما يوجد من أساء، يوجد من يقدر ويحسن، فحاولي أن تعيدي توزيع طاقتك العاطفية على من يستحق، وألا تجعلي تجربة مؤلمة تعمم على الجميع.
وللتخفيف من هذه المشاعر المؤذية:
احرصي على التحدث مع من تثقين به، من صديقة قريبة، أو مرشدة واعية؛ فالفضفضة تخفف كثيرا من ثقل المشاعر، وتعين على ترتيب الأفكار، كما أن الكتابة عما في داخلك وسيلة نافعة لتفريغ الألم.
وحسن منك حرصك على تزكية نفسك؛ فهذا دليل صفاء نيتك، فابدئي بخطوات يسيرة: كالعفو التدريجي، لا الإجباري؛ بأن تسعي لتقليل استحضار المواقف المؤلمة، والدعاء لمن أساء لك بأن يهديه الله، لا من باب الرضا بالظلم، بل من باب تحرير قلبك من التعلق بالألم، فالعفو الحقيقي نفعه الأول يعود عليك أنت.
واجعلي لنفسك نصيبا من الذكر، والاستغفار، والدعاء، فإنها تطهر القلب، وتسكنه، واستحضري أن الله مطلع على ما لقيت، وأنه العدل الذي لا يضيع عنده حق، وأن ما صبرت عليه مدخر لك أجره.
وإن وجدت أن هذه المشاعر لا تزال تؤذيك بشدة، فلا تترددي في استشارة مختص نفسي؛ يعينك على تجاوز آثار التجارب الماضية بأساليب علمية نافعة.
واعلمي أن الطريق إلى راحة القلب ليس في القطيعة، ولا في الاستسلام للأذى، بل في التوازن الحكيم بين صلة ترضي الله، وحدود تحفظ كرامتك، وقلب يسعى للتعافي لا للانتقام.
نسأل الله أن يشرح صدرك، ويذهب عنك ما تجدين، ويبدلك سكينة وطمأنينة، ويجعل ما مررت به رفعة لك في الدرجات، وأن يؤلف بينك وبين أهلك على الخير.
والله الموفق.