السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
جزاكم الله خيرا، فلكم بعد الله -سبحانه وتعالى- فضل كبير علي.
لدي مشكلة تؤرقني مع والدتي؛ أحاول برها والتقرب منها، لكنها تظهر محبة خاصة لأختي الكبرى، فتحترمها وتبادر بالكلام معها، والجلوس إليها، بينما أكون أنا غالبا من يبادر، كما أنها تخاف كثيرا على مشاعر أختي الصغرى؛ فبمجرد أن نتجادل –وأختي الصغيرة مندفعة جدا– تأتي أمي وتدافع عنها دون أن تعرف أصل المشكلة، وإذا حدثت مشكلة في البيت وكنت أقل الأطراف تأثيرا فيها، تحملني الذنب واللوم، حتى إن أختي الكبرى نبهتها إلى ذلك لأنها رأت ما أعانيه.
أما أعمال المنزل، فمعظمها تطلبه مني، وأعلم أن ذلك من حقها، والحمد لله غالبا أطيعها، لكنني أرى أنها تريح إخوتي من أعباء كثيرة، وأتفهم أن من الأسباب أن دراسة أختي الكبرى صعبة، والصغرى في الثانوية العامة، وأنني وقعت في الوسط، وكان حظي سيئا جدا.
جربت حلولا كثيرة، ولا أجد مفرا من هذا البيت، الذي لا أشعر فيه بأي مشاعر أو حب، وفي سن أصغر كنت أملك نفسي عند الغضب، أما الآن فأصبحت عصبية جدا، حتى إنني مرضت عدة أيام بسبب ذلك.
أتمنى أن أجد حلا، وأتساءل: هل الأفضل إذا ضايقتني مشكلة أن أكتمها ولا أحدث بها أمي؟ فأنا دائما أبدأ الحوار بهدوء وبنية النقاش بأدب، لكنه ينتهي برفع الصوت ووقوعي في العقوق.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ فاطمة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يشرح صدرك، ويجعل برك بوالدتك بابا لسكينة قلبك لا سببا لتعبك، وأن يرزقك الحكمة التي تجمع بين طاعة الله، وحفظ نفسك من الانكسار.
أولا: اعلمي -بارك الله فيك- أن عاطفة الأم تجاه أولادها لا تحجب قط، ولا يحدها حد، ولكن حين تختلف طبائع الأبناء تتوزع عاطفة الأم بحسب ما تراه أو تعتاده، فليست المطيعة دائما كالمعاندة، ولا الناجحة كالفاشلة، ولا المريضة كالصحيحة، وهكذا تتوزع بعض الاهتمامات لكنها لا تنقص من أصل المحبة في قلب الأمهات، وهنا يتسرب إلى البعض شعور أنه أقل حظا ثم يتعاظم هذا الشعور المؤلم في نفسه، غير أنه لا يعني أنك أقل قدرا عند الله، ولا أن بره ضاع، بل ربما كنت أعظم أجرا لأنك تبذلينه مع المشقة، وقد قال تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا}، وقال النبي ﷺ: ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب، فالقوة هنا أن تحسني مع وجود ما يؤلمك، لا أن تحسني فقط حين يسهل الأمر.
ثانيا: شعورك بعدم العدل مفهوم، وليس عيبا أن تتألمي، ولكن الخطأ أن يتحول هذا الشعور إلى مقارنة دائمة تستهلكك، فكلما قارنت زاد الألم، وكلما ركزت على ما تفعلينه أنت خف، فاجعلي ميزانك: ماذا أستطيع أن أكون عليه أمام الله؟
ثالثا: ما تفعلينه من خدمة البيت وطاعة والدتك ليس ضياعا لك، بل هو رصيد عند الله، وقد قال النبي ﷺ: رضا الرب في رضا الوالد، فاثبتي على هذا الأصل.
رابعا: ليس مطلوبا منك أن تكتمي كل شيء حتى تنفجري، ولا أن تتكلمي في كل مرة حتى تتصاعد المشكلة، بل اختاري الوقت المناسب، حين تكون الأم هادئة، وتحدثي بجمل قصيرة واضحة بلا لوم ولا مقارنة، مثل: أنا أتعب أحيانا وأحتاج دعمك، دون ذكر أخواتك؛ لأن المقارنة تغلق قلب المستمع.
خامسا: إذا بدأ الحوار يرتفع، فأوقفيه مبكرا، ولا تكمليه حتى النهاية، وقولي بهدوء: نكمل لاحقا، ثم انسحبي؛ لأن استمرارك وأنت منفعلة يحول البر إلى خصام، والانسحاب في هذه اللحظة حكمة لا ضعف.
سادسا: تحمل الأعمال كلها قد يرهقك ويزيد عصبيتك، فرتبيها مع نفسك، ولا تقولي لن أفعل، بل خففي ووزعي جهدك، وخذي أوقات راحة، والتمسي في كل عمل الأجر من الله تعالى.
سابعا: لا تفسري كل تصرف من والدتك على أنه تفضيل مقصود، فأحيانا يكون تعودا أو خوفا على الأضعف أو انشغالا بمن يحتاج أكثر، وهذا لا يعني أنها لا تحبك، ولكن التعبير يختلف، فخففي من تفسير كل موقف على أسوأ وجه.
ثامنا: عصبيتك الجديدة نتيجة تراكم، وليست طبعا أصيلا فيك، وعلاجها عملي، فإذا شعرت ببداية الغضب فغيري وضعك مباشرة، واجلسي إن كنت واقفة، أو ابتعدي دقائق، وتنفسي ببطء، ولا تكملي الكلام؛ لأن أول لحظة غضب هي مفتاح السيطرة، وهذا كله من كثرة ذكر الله تعالى والاستغفار وحبذا لو توضأت.
تاسعا: ابتعدي عن الفراغ ما أمكنك، واملئي يومك بأشياء لك أنت، من قراءة، وتعلم، وصديقات صالحات؛ لأن الفراغ مع الضغط مؤلم، وإذا وقع منك رفع صوت أو خطأ، فلا تيأسي، بل سارعي بالاعتذار الهادئ دون جدل، فهذا يحفظ قلبك من القسوة، ويعيد التوازن، ويجعل أمك ترى حرصك لا خصومتك.
عاشرا: ذكري نفسك دائما أن برك ليس مشروطا برد الفعل، بل هو عبادة لله، فإن جاءك تقدير فذلك فضل، وإن لم يأت فالأجر محفوظ، وقد قال تعالى: (والله بما تعملون بصير)، واجعلي لك وردا من الذكر والدعاء، تسكنين به قلبك، وتستعينين به على ضبط نفسك، فالقلب إذا امتلأ ذكرا هدأ، وإذا خلا اضطرب.
نسأل الله اللطيف بعباده أن يؤلف بين قلوبكم، وأن يصلح ذات بينكم، وأن يملأ قلوبكم رحمة ورفقا، وأن يعينكم على البر مع الصبر، وأن يجعل في بيوتكم سكينة ومودة، إنه على كل شيء قدير، والله ولي التوفيق.