السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا رجل متزوج منذ عشرين سنة، وكان زواجي الأول بالإكراه رغم رفضي، ولم تتحقق فيه المودة، لكني التزمت قدر استطاعتي بالنفقة والمبيت لكونها أم أولادي.
بعد سنوات وقعت في تعلق عاطفي وخشيت الوقوع في الحرام، فتزوجت زوجة ثانية بنية العفة والتوبة، وباتفاق واضح على ظروف الإقامة؛ حيث تعيش معي في بلد الغربة، بينما أزور بلدي سنويا لفترة محدودة.
بعد الزواج الثاني حاولت استقدام الزوجة الأولى، لكن ظروفي المالية الصعبة، وكثرة الالتزامات منعتني من الاستمرار في ذلك، كما أن تعليم أولادي لم يكن متاحا في بلد الغربة، فاضطررت لإعادتهم وبقيت الزوجة الثانية معي.
الزوجة الأولى ترفض بشكل قاطع وجود الزوجة الثانية معي، وتطالب بالفصل الكامل، بينما الزوجة الثانية تحتاجني عاطفيا وجنسيا، وتشعر بأنها مظلومة، وأن عمرها ضاع بسبب هذا الزواج.
أنا في الحقيقة مرتاح مع الزوجة الثانية، ولا أرغب في طلاقها، لكن بسبب الضغط الشديد من الظروف والخلافات بدأت أفكر في طلاقها، رغم خوفي الشديد من أن أكون ظالما لها، أو متسببا في أذيتها نفسيا ومعنويا.
أنا لا أريد الوقوع في الحرام ولا ظلم أي طرف، وأسعى للعدل قدر استطاعتي، وأعلم أن المحبة ليست بيدي، وإنما العدل يكون في النفقة والمبيت والمعاملة الظاهرة، أخشى أن أكون مقصرا، أو قد وقعت في خطأ بسبب وعود سابقة، أو بسبب عدم قدرتي المالية على تحقيق التوازن الكامل بينهما.
لذلك أطلب بيانا شرعيا واضحا لما يجب علي فعله في هذه الحالة؛ بما يحقق العدل ويجنبني الإثم، خاصة مع عدم قدرتي على الجمع الكامل بين الزوجتين، ومع الحاجة العاطفية والجسدية للزوجة الثانية، وتمسك الزوجة الأولى برفض الوضع الحالي.
كما أرجو توضيح الطريقة الشرعية لتحقيق العدل في المبيت بينهما مع اختلاف مكان الإقامة؛ وهل يكفي التقسيم الزمني السنوي أم يجب تقسيم أدق؟ فهل أستمر مع محاولة العدل، أم يكون طلاق الزوجة الثانية -رغم تعلقي بها- هو الخيار الأقرب للتقوى حتى أبرئ ذمتي أمام الله دون أن أظلمها؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ سليمان حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -أيها الأخ الكريم والابن الفاضل- بالموقع، وشكرا على هذا السؤال الذي يدل على رغبة في الخير والعدل الذي هو شريعة الله تبارك وتعالى.
ونحن في الحقيقة نوصيك بأن تجتهد في إكرام الزوجة الأولى، كما نوصيك بألا تفرط في الزوجة الثانية؛ فإن بلوغ العفاف وحرصك على أن تكون قائما بواجباتك تجاه كلا الزوجتين أمر شرعي، وإذا كان مجيء الأولى بأولادها متعذرا، فأرجو أن تجتهد في تعويضها ماليا، وفي استرضائها، وفي الاهتمام بها عندما تكون معها، يعني في العطلات، وهذا لا يمنع أن تعطي الزوجة الجديدة حقوقها الشرعية الكاملة.
وأرجو أن تطلب أيضا من الأولى السماح إذا حصل تقصير، وكما قلنا: إذا كنت مقصرا في قسمة المبيت لظروف هذا الزمان مع القوانين، ومع ظروف الغربة التي يعيشها الناس، فهناك أمور لا يستطيع الإنسان أن يتحكم فيها، والعظيم العدل هو الذي يقول: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}، ويقول: {لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها}.
ولكن إذا حرمتها من العدل التام في المبيت، فأرجو ألا تحرمها من الاهتمام والعاطفة ولو بالتواصل، ومن إكرامها ماليا، وحسن رعاية أبنائها، والاهتمام بها، ومعرفة فضلها، وإسماعها الكلام الجميل، هذا كله لا تعفى عنه، لا تعفى في هذا.
أما الأمر الذي فوق طاقتك، فهذا لا تسأل عنه، مع ضرورة أن تحرص على أن تخطط لتكون معهم أو ليكونوا معك؛ يعني لا بد أن يكون هناك سعي، بحيث ترتب أوراقك بأن يكونوا معك أو تكون معهم، وإذا كان الأبناء كبارا؛ فيمكن في بعض فترات العام أن يكونوا مع عمتهم، أو خالتهم، أو أجدادهم، وتأتي الزوجة ولو وحدها تأخذ معك بعض الوقت في شكل زيارات، المهم أن تجتهد {فاتقوا الله ما استطعتم}.
اجتهد في أن تزيد نصيبها، وأن تزيد الاهتمام، وأيضا لما تكون عندها أن يكون هناك تركيز على إشباعها عاطفيا، وإعطائها حقها الشرعي والاهتمام بها؛ حتى تعوض فرق الأيام التي حصل فيها الأمر الذي لم يكن بطاقتك، وكما قلنا: لا يصح أن يطلق الإنسان الزوجة الثانية لرغبة الأولى أو العكس؛ لأن الطلاق لا يفرح سوى عدونا الشيطان.
وأنت بحاجة لتبلغ العفاف مع هذه الزوجة، وأيضا تعطيها حقها الشرعي، والإنسان لا يحاسب على ما لا يملك من الميل القلبي، ولكن يحاسب على الأمور الأخرى التي استطاع أن يعدل فيها ولم يعدل، واستطاع أن يقوم بها ولم يقم بها، فمثلا إذا اشتريت لهذه أثوابا فاشتري للثانية أثوابا، وإذا أعطيت هذه فأعط للأخرى أيضا، وتتفق مع الزوجة الأولى أنك تحتاج إلى أن تضاعف المصروف، وتضاعف الاهتمام بالثانية حتى تعوضها بعض ما فقدت، ونسأل الله -تبارك وتعالى- أن يعينك على الجمع بين الزوجتين فتكونون في بلد واحد، وفي مكان واحد.
وكما قلت: توجد نماذج في التعدد والعدل بين الزوجات، فيمكنك أن تترك أبناءك فترات وتأتي بالزوجة وحدها تقضي معها بعض الوقت، ثم تأخذ إجازة سنوية لتكون معها وأولادها يكونون هناك؛ فإن الله تعالى يقول: {فاتقوا الله ما استطعتم}.
فاجعل هدفك أن تعدل بقدر ما تستطيع، وتعتذر عن أي قصور وتقصير في حق الزوجة الأولى، وتجتهد في أن تعوضها في جوانب أخرى، ونسأل الله لنا ولكم التوفيق والسداد.
____________________
انتهت إجابة د. أحمد الفرجابي -استشاري الشؤون الأسرية والتربوية-
وتليها إجابة د. أحمد الفودعي -استشاري الشؤون الأسرية والشرعية-.
__________________
مرحبا بك في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله تعالى أن ييسر لك الخير، وأن يعينك على التوفيق بين الحفاظ على زوجتيك والقيام بالحقوق الشرعية.
لقد أفادك الأخ الفاضل الدكتور/ أحمد الفرجابي بمخارج شرعية صحيحة، وهي -بإذن الله تعالى- سهلة التنفيذ، فنسأل الله تعالى أن يعينك عليها، ولكن كل ما بينه لك الدكتور أحمد هو في ظل المبدأ العام: القيام بالعدل، أو تخيير الزوجة التي حصل نقص في حقها.
أي أنه يجب عليك أن تعدل بين الزوجتين ما دمت تمسكهما في عهدتك وذمتك، ولا يجوز أن تفضل إحدى الزوجتين على الأخرى، ولا أن تسافر بإحدى الزوجتين وتترك الأخرى في بلد آخر، فهذا لا يجوز إلا إذا حصل الصلح بينك وبين الزوجة التي حصل في حقها شيء من التقصير.
وهذا الصلح نقصد به أن تفعل ما فعله رسول الله ﷺ حين أراد أن يطلق زوجته سودة -رضي الله تعالى عنها- فرضيت بأن تبقى زوجة له وتتنازل عن حصتها من المبيت، فوهبت ليلتها لعائشة -رضي الله تعالى عنها-، فكان النبي ﷺ يقسم لكل واحدة من نسائه ليلة ليلة، ولعائشة ليلتين: حصتها وحصة سودة، وبقيت زوجة لرسول الله ﷺ حتى تكون زوجة معه في الآخرة.
فهذا كان صلحا شرعه الله تعالى ونفذه رسول الله ﷺ، وهو سبب نزول الآيات التي ذكر الله تعالى فيها الصلح بين الزوجين كما يقوله بعض العلماء، وهي قول الله سبحانه وتعالى: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا ۚ والصلح خير}.
وبهذا تعلم -أيها الحبيب- أنه يجب عليك أن تخير الزوجة التي قد يحصل في نصيبها شيء من التقصير، أن تخيرها بين الرضا بهذا الوضع الذي أنت تقدر عليه، أو أن تسرحها بإحسان، فإن الفرض الذي فرضه الله تعالى على الزوج: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، وتنفذ لها بعد ذلك ما تختاره من الخيارين.
فيمكن أن تسترضيها للرضا بهذا الصلح، بأن تفعل ما أرشدك إليه الدكتور/ أحمد من استرضائها بمزيد هبات وهدايا ونحو ذلك، وهذا المجال لا يجب فيه العدل بين الزوجتين عند أكثر العلماء، فيجوز أن يهب الرجل لإحدى زوجتيه ما لا يهبه لزوجته الثانية.
فننصحك نحن بأن تحاول أن تسدد وتقارب، وتتقي الله تعالى بقدر ما تستطيع.
أما أن تطلق الزوجة الثانية لمجرد طلب الزوجة الأولى فقط، فهذا لا ننصحك به، مع أن الطلاق جائز مع الكراهة، لكن بلا شك قد يكون فيه أذى ظاهر لهذه المرأة، وأيضا فيه مضرة عليك أنت، فإن تحصيل عفتك وإعفاف نفسك عن الحرام والتطلع إليه مقصود مطلوب شرعا، بل قد يجب عليك الزواج أصلا لتحصيل هذا المقصود.
فلا ننصحك أبدا بتطليق الزوجة الثانية، إنما الذي ننصحك به هو تخيير الزوجة الأولى بين الرضا بهذا الوضع الذي أنت تقدر عليه، وبين أن تسرحها وتطلقها بإحسان، وبذلك تكون قد خرجت من الظلم الذي منعه الله -سبحانه وتعالى- لأنك أديت ما أوجب الله من المعاشرة بالمعروف أو التسريح بإحسان.
ولا تنس -أيها الحبيب- أن الكلمة الطيبة تفعل ما لا تفعله أمور كثيرة، وكما قال الشاعر:
لا خيل عندك تهديها ولا مال ... فليسعد النطق إن لم تسعد الحال
فالكلام الجميل يمكن أن يوصلك إلى تحقيق مقاصدك وأهدافك، فحاول أن تسترضي زوجتك الأولى بما تقدر عليه من الكلام الطيب والإحسان المالي، وستصل -بإذن الله تعالى- إلى صيغة الصلح هذه التي وضحناها لك.
نسأل الله تعالى أن يقدر لك الخير.