السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كنت أريد أن أستفسر عن شيء.
فقد كنت في غفلة ثم عدت إلى الله، وتبت إليه، وبعد فترة أصبحت مطمئن النفس، ولكن فجأة أصابتني وساوس كثيرة بدون أي شيء، ولا أدري كيف! وكلها كفرية، وكلما قرأت القرآن كانت تزيد، ثم تركت قراءة القرآن فترة بسبب هذا الأمر، ولكني لم أترك الصلاة، وكنت في ضيق شديد، تارة تقول لي الوساوس: إني منافق، وتارة إني كذا وكذا، ثم رجعت للقرآن مجددا -بفضل الله ولطفه-.
كنت أشعر بالضيق الشديد، ولكني كنت أستمر، ثم اكتشفت أن بي أعراضا بواسطة مقطع اطلعت عليه: انتفاخ البطن، الوسواس، ضيق الصدر، وما إلى ذلك، فبدأت بالرقية أقرؤها على نفسي، ثم قرأتها على الماء، وقرأت سورة البقرة كل يوم، وبدأ ذراعي الأيمن يتحرك من تلقاء نفسه، ثم بعدها بدأت قدمي، وكنت أتكرع كثيرا أثناء قراءة سورة البقرة، وبعد ذلك تقيأت أشياء لا أعلم مصدرها، عبارة عن كتل بنية الشكل، حدث ذلك الأمر معي حوالي ثلاث مرات، ومؤخرا بدأت باستعمال الزيت والعسل، وبدأت بالرقية منذ حوالي شهر.
أحيانا أحس بلمسات عند الفرج، وتأتي لي شهوة بدون أن أفكر في شيء أصلا، فهل أنا مصاب بالسحر، أم ماذا؟ وبماذا تنصحوني أن أفعل أو أقرأ؟
وجزاكم الله خيرا.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عبد الرحمن حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلا بك، ونسأل الله أن يشرح صدرك، ويثبتك على ما وفقك إليه من توبة ورجوع، وأن يجعل ما تمر به سببا لزيادة يقينك لا لاضطرابك؛ فإن كثيرا من الناس إذا أقبلوا على الله بعد غفلة هاجت عليهم الوساوس، لا لأنهم خسروا الطريق، بل لأنهم دخلوا فيه، والشيطان يحرص أن يكدر على العائدين، وقد قال تعالى: ﴿إن كيد الشيطان كان ضعيفا﴾، وضعفه يظهر إذا عولج بالصواب لا بالخوف؛ لذا انتبه لما نقوله لك في النقاط التالية:
1- الوساوس التي تصفها، خاصة ما كان منها في العقيدة، ليست دليلا على كفر ولا نفاق، بل ما دمت تكرهها، وتتألم منها، وتدفعها؛ فهذا من الإيمان، وقد قال النبي ﷺ لما سأله الصحابة عن مثل هذه الوساوس التي تأتيهم: ذاك صريح الإيمان؛ لأن القلب الحي هو الذي يضيق بالباطل لا الذي يقبله.
2- لا يصح أن تترك قراءة القرآن بسبب الوسواس؛ لأن هذا بالضبط ما يريده منك عدوك، أن يربط لك الطاعة بالألم حتى تبتعد عنها، والصواب أن تقرأ ولو مع وجود الضيق؛ لأن الثبات مع الألم يضعف الوسواس حتى يزول.
3- ما تشعر به من انتفاخ، أو تجشؤ، أو حركة في الجسد، أو قيء أثناء الرقية لا يبنى عليه حكم جازم بأنه سحر، أو مس، أو غيره؛ لأن الجسد يتأثر أيضا بالتوتر، والخوف، والتركيز الشديد، فلا تجعل هذه العلامات دليلا قاطعا، ولا تشغل نفسك بتشخيص غيبي لا تملك عليه يقينا.
4- الإحساس بلمسات، أو شهوة مفاجئة قد يكون له أسباب جسدية أو نفسية، ولا يلزم أن يكون سحرا، فلا تبن عليه خوفا، وتعامل معه بهدوء، وغض بصرك، وأشغل نفسك، ولا تراقب جسدك باستمرار.
5- أهم خطأ يقع فيه من يعاني في مثل حالتك هو الانشغال الزائد بتفسير ما يحدث، هل هو سحر أم غيره؟ لأن هذا يفتح بابا لا ينغلق، والصواب أن لا تهمل الرقية والأذكار الشرعية، لكن في الوقت نفسه عليك أن تنشغل بالعلاج الصحيح الذي ينفعك في كل الأحوال.
وعليه فنقول إن العلاج الذي تحتاج إليه هو أن تجمع بين أمرين:
الأول: الاستمرار في الطاعة دون توقف، صلاة، قرآن، ذكر، لكن بهدوء وثبات لا بتوتر وصراع.
والثاني: قطع الاسترسال مع الوساوس، فلا تناقشها، ولا تحللها، ولا تبحث لها عن تفسير كل مرة.
لذا ننصحك بأن تجعل لنفسك نظاما ثابتا في القراءة؛ تقرأ جزءا أو أقل يوميا من القرآن دون أن تراقب نفسك، ولا تنتظر شعورا خاصا، بل اقرأ كواجب ثابت؛ لأن الاستقرار أهم من الشعور.
كذلك الرقية الشرعية؛ فهي نافعة -بإذن الله-، لكن بشرط أن لا تتحول إلى انشغال مفرط، أو خوف دائم، فاقرأ الفاتحة، وآية الكرسي، والمعوذات، صباحا ومساء، وانفث على نفسك أو على ماء دون تكلف زائد، ولا تراقب جسدك بعد كل قراءة.
المهم ألا تجعل كل ما يحدث لك مرتبطا بالرقية؛ لأن بعض الناس يدخل في دائرة تفسير كل حركة، وكل شعور؛ فيزداد قلقه، بينما الأصل أن الرقية طمأنينة لا مصدر توتر.
6- احذر من تضخيم الحالة في ذهنك؛ لأن الخوف الزائد هو الوقود الحقيقي لهذه الأعراض، وكلما هدأت، وقللت التفكير فيها، خفت تدريجيا.
7- حاول أن تنظم يومك، ولا تبق وحدك طويلا، واملأ وقتك بما ينفعك؛ لأن الفراغ يجعل الذهن يدور حول نفسه، ويضخم كل شيء.
8- تذكر دائما أن الله أرحم بك من نفسك، وأنه لا يعذبك بهذه الوساوس، بل ينظر إلى قلبك وصدقك، وقد قال تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾، وجاء في الحديث أن الله قال: قد فعلت.
فاللهم يا رب القلوب اشرح الصدور، واصرف عنها الوسواس والقلق، وثبتها على ذكرك وطاعتك، واجعل القرآن نورا لها وسكينة، وامنحها عافية في النفس والجسد، إنك على كل شيء قدير، والله ولي التوفيق.