أدخر مالاً لحاجتي..فكيف أتصرف لو طلبت أمي هذا المال؟

0 0

السؤال

توفي والدي منذ خمسة عشر عاما، وترك لنا بيتا مكونا من أربع شقق وسطح عبارة عن غرفة وحمام ومطبخ (يعتبر ربع شقة).

أنا رجل ولي أختان ووالدتي، والشقق والسطح جميعهم مؤجرون ولا نسكن فيهم؛ إذ أسكن أنا وزوجتي في سكن بالإيجار، ووالدتي وأختي أيضا في سكن بالإيجار، ولي أخت متزوجة.

والدتي لا تعطيني إلا أقل من إيجار شقة واحدة منذ زواجي قبل عشر سنوات، وباقي الإيجار يذهب لوالدتي وأختي، بجانب راتب الوالد -رحمه الله- وأنا في تمام الرضا -ولله الحمد- ولا أعترض على ذلك.

سؤالي هنا: والدتي الآن تريد أن تجدد واجهة العقار؛ لأنها قديمة ولا يعجبها شكلها الحالي، وهو حاليا مؤجر بالكامل ويدر دخلا، هل لو طلبت مني المال لذلك ورفضت، يلحق بي إثم أم لا؟

أخشى أن أدخل في دائرة العقوق؛ لأن علاقتنا بها حساسة، فوالدتي وأخواتي يقاطعن زوجتي منذ أربع سنوات؛ لخلافات النساء فيما بينهن، وأنا وحدي من يحاول وصال الود معهم، وأي اعتراض مني على أي شيء أو قرار منهن ينسبونه لزوجتي.

الحمد لله، معي من المال ما أدخره، لكني أدخره بغرض أن يكون معي مقدم لشراء شقة تمليك لي بدلا من الإيجار، كما أسعى أن يكرمني الله بذرية صالحة؛ لأن زوجتي مريضة ونسعى للإنجاب من خلال عمليات الحقن المجهري على مر السنوات العشر، وهي مكلفة أيضا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ نور الدين حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك في استشارات إسلام ويب، نشكر لك تواصلك بالموقع وحرصك على بر أمك، وتجنب عقوقها، وهذا من توفيق الله تعالى لك، وعلامة على حسن دينك، ونسأل الله تعالى أن يزيدك هدى وصلاحا.

ونود أولا أن نذكرك -أيها الحبيب- أن وجود أمك هو في حد ذاته نعمة عظيمة أنعم الله تعالى بها عليك، فهي باب من أبواب الجنة، وسبب لنيل رضا الله تعالى، فكل إحسان منك إلى أمك -ماديا كان أو معنويا- هو في الحقيقة طاعة عظيمة ونعمة كبيرة، فاشكر نعمة الله تعالى، ومن شكر هذه النعمة أن تبالغ في الإحسان إلى أمك وبرها بقدر استطاعتك.

والبر -أيها الحبيب- منه ما هو واجب شرعا يأثم الإنسان بتركه، ومنه ما هو نافلة مستحبة، وهذه الطاعة كغيرها من الطاعات التي فيها فرائض ونوافل، فاحرص على التقرب إلى الله تعالى بكل ما تقدر عليه من بر الأم، الواجب والمستحب؛ فإن الجنة عند قدمها، وقد قال الرسول ﷺ: الوالد أوسط أبواب الجنة أي أفضل أبواب الجنة، وبكى بعض الصالحين يوم ماتت أمه، فقيل له ما يبكيك؟ قال: "وكيف لا أبكي وقد كان بابي إلى الجنة مفتوحا فأغلق اليوم".

فتذكر هذه المعاني -أيها الحبيب- وتذكرك لها سيكون باعثا لك ومعينا على تحصيل هذه الطاعة العظيمة، ما هو منها فرض وما هو منها نفل.

والبر يعني: كل ما يدخل السرور إلى قلب أمك من الكلام والأفعال، لكن في الجانب المادي المالي، الواجب شرعا هو الإنفاق على أمك بقدر كفايتها إذا كانت محتاجة إلى ذلك الإنفاق، يعني ليس لها مال تنفقه على نفسها، وواضح من سؤالك أنها مكتفية بما يأتيها من إيجار هذه الشقق التي هي مشتركة لك ولها ولأخواتك، وما دامت تعطيك جزءا، فهذا خير كثير، وإن كان أقل من نصيبك، وقد أحسنت حين رضيت بهذا، وأنك تشعر بتمام الرضا لذلك.

فما نقص من حصتك وانتفعت به أمك وأختك فهو صدقة عظيمة مدخرة لك عند الله تعالى، وقد قال الرسول ﷺ: أفضل دينار ينفقه الرجل، دينار ينفقه على أهله، فلا تظن أن هذا ذهب وتلف، بل هو باق مدخر.

وإذا طلبت أمك منك مبلغا لإعادة ترميم هذا البيت، فنصيحتنا لك -إذا كنت تقدر على ذلك دون ضرر- أن تحاول استرضاء أمك بقدر استطاعتك، بأن تلبي رغبتها في إبداء حرصك على ذلك، ولكن في حدود ما تسمح به القدرة، وليس بالضرورة أن تخبرها بكل ما تملك.

فحاول أن تسترضيها ببذل جزء، وحاول أن تخبرها بأن هذا هو ما تقدر عليه في هذا الوضع، وأنت صادق في ذلك لأنك بحاجة إلى مسكن، وبهذا تخرج -بإذن الله تعالى- من هذا الموقف بأعظم المكاسب، فتكون كسبت قلب أمك ورضاها عليك، وتكون أعنتها أيضا، وأظهرت لها طاعتك لها وحرصك على برها والإحسان إليها.

أما من حيث الوجوب الشرعي؛ فإنه لا يجب عليك أن تبذل في ترميم هذا المبنى إلا بقدر حصتك منه، أو إذا كانت أمك تحتاجه للنفقة، وليس هناك مصدر آخر للإنفاق عليها إلا منه، وكنت أنت القادر الوحيد على الإنفاق على أمك؛ ففي هذه الحالة يلزمك أن تنفق عليها، أو أن تفعل ما تحقق به هذه الأم النفقة التي تحتاجها.

وعلى كل تقدير، فالأفضل لك -بلا شك ولا ريب- أن تحاول استرضاء أمك بإبداء رغبتك في برها وطاعتها، ولكن حاول أن توصل إليها رسالة أن هذا هو حدود القدرة، ولو كنت أقدر على ما هو أكثر من ذلك لفعلت، دون أن تدخل معها في رفض صريح لدفع ما تطلبه منك، ولست في ذلك كاذبا، فأنت محتاج إلى هذا المال لشراء مسكن لك كما ذكرت.

نرجو الله تعالى أن يجعل ذلك عذرا لك فيما تستعمله من الكلام الجميل معها بقصد استرضائها.

وفقك الله لكل خير.

مواد ذات صلة

الاستشارات