السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أعاني من صعوبة ضبط التفكير والتخيلات؛ أي أنني أعاني من فرط التفكير، وخصوصا إذا حدثت لي مشكلة فدائما أعود إلى التفكير فيها، وأقول في نفسي: ليتني تصرفت غير ذلك التصرف الذي فعلت، وأما التخيلات فتكون في بعض الأحيان خارجة عن إرادتي رغم أنني أحاول التوقف عن التخيل، فهل يوجد علاج؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ حمزة حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
بداية: نثمن تواصلك مع موقعك المفضل (إسلام ويب)، وحياك الله -أخي الكريم-، وأحسن إليك، ونشكر لك صراحتك وطلبك للمساعدة في أمر يؤرقك؛ فإن إدراكك للمشكلة وسعيك لعلاجها خطوة مباركة تدل على وعي ورغبة صادقة في التغيير، وهذا في ذاته باب خير عظيم؛ فكم من الناس يعانون، ولا يسألون، ولا يبحثون عن علاج.
وما ذكرته من التفكير المفرط، والرجوع المتكرر للمواقف الماضية مع لوم النفس، إضافة إلى التخيلات التي تفرض نفسها عليك؛ هو أمر يعاني منه بعض الشباب، وغالبا ما يكون له أصل نفسي، كزيادة القلق، أو الحساسية المفرطة تجاه المواقف، أو الميل إلى الكمال؛ مما يجعل الإنسان يبالغ في تحليل الأحداث، واسترجاعها بصورة مرهقة.
ومما ينبغي التنبه له أن كثرة لوم النفس، وجلد الذات لا تصلح الخطأ، بل قد تزيد من حدة المشكلة، وتغذي دائرة التفكير المزعج، فبدل أن يهدأ الذهن يزداد اضطرابا؛ ولذلك فالتعامل الصحيح هو التعلم من الموقف ثم تجاوزه، لا البقاء أسيرا له.
أما التخيلات، وخاصة غير الواقعية منها:
فهي وإن كانت قد تبدو أحيانا خارج الإرادة، إلا أن الاسترسال معها يطيل مدتها، ويزيد أثرها، بينما تقليل الوقت الذي تمنحه لها، والانشغال بأعمال واقعية نافعة، أو الحديث مع شخص تثق به؛ يساعد كثيرا في تقليصها تدريجيا حتى تضعف.
ويمكنك –بإذن الله– التخفيف من هذه الحالة باتباع خطوات عملية، منها:
أن تضع حدا زمنيا للتفكير في المشكلة، ثم تلزم نفسك بالانتقال إلى عمل آخر، وأن تكتب ما يشغلك على ورقة لتفريغ الذهن، وأن تدرب نفسك على إيقاف الفكرة حين تتكرر بقول: "توقف"، ثم تحويل انتباهك فورا، وأن تحرص على ملء يومك بأنشطة مفيدة تشغل ذهنك وجسدك.
ويمكنك كذلك إضافة بعض الوسائل المعينة، مثل: ممارسة رياضة خفيفة يوميا؛ لما لها من أثر مباشر في تخفيف القلق، وتنظيم التفكير، وتنظيم النوم والابتعاد عن السهر الطويل؛ لأنه يزيد من حدة التشتت، وتقليل استخدام الهاتف، ووسائل التواصل، خاصة قبل النوم؛ لأنها تغذي الذهن بالمثيرات، وكذلك تدريب نفسك على تمارين التنفس العميق أو الاسترخاء عند اشتداد التفكير، ومحاولة استبدال الفكرة السلبية بأخرى واقعية أكثر توازنا.
ومن المفيد أيضا: أن تجعل لنفسك أوقاتا محددة للإنجاز الواقعي، كتعلم مهارة، أو قراءة هادفة، أو عمل نافع؛ لأن الانغماس في الواقع يقلل مساحة الخيال المزعج، وأن تكافئ نفسك عند الالتزام ولو بأمور بسيطة، فهذا يعزز الاستمرار.
وتذكر أن التغيير لا يحدث دفعة واحدة، بل يبدأ بخطوات صغيرة، فاقبل أي تحسن ولو كان يسيرا، وداوم عليه؛ فإن التكرار يصنع أثرا كبيرا مع الوقت، ولا تيأس إن عادت بعض الأفكار؛ فذلك جزء من رحلة التعافي.
ولا حرج عليك –بل هو من الأخذ بالأسباب– أن تراجع مختصا نفسيا إذا استمرت هذه الأعراض بصورة مزعجة، أو أثرت على حياتك اليومية؛ فالعلاج السلوكي المعرفي مثلا له نتائج طيبة في مثل هذه الحالات.
واجعل لك نصيبا من الذكر والدعاء؛ فإن في ذلك طمأنينة للقلب، واستعن بالله دائما، واستحضر أن ما مضى قد مضى، وأن الله يفتح للعبد أبوابا جديدة متى أحسن التوكل عليه.
نسأل الله أن يشرح صدرك، ويصرف عنك القلق والتفكير المزعج، ويبدلك طمأنينة وسكينة، ويعينك على نفسك حتى تبلغ العافية والاستقرار.