السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا طالبة جامعية، أعمل ساعات قليلة في الشهر، وفي بعض الشهور لا أحصل على عمل؛ فأنفق على نفسي من مدخراتي التي ادخرتها من العمل بدوام كامل في الصيف، وأنفق على نفسي بالكامل منذ سنوات.
والدي ميسور الحال لدرجة أنه يأخذ عطلة ثلاثة أشهر كاملة في السنة، ولكنه ممتنع عن الإنفاق على والدتي (زوجته الأولى)، وعن نفقتنا جميعا (أبناءها) منذ سنوات؛ بحجة أن لديه مسؤوليات تجاه زوجته الثانية وأطفالها.
مؤخرا، وبسبب حاجة والدتي الشديدة للمال، وعدم وجود عائل لها، قمت بإعطائها مبلغ "إيجار السكن" الذي كان والدي يطالبني به، وامتنعت عن دفعه له رغم غضبه؛ فوالدي ميسور، بينما والدتي لا تجد من ينفق عليها، وليس لديها عمل أو تعليم.
لكن ضميري يؤنبني لأنني أستطيع أن أدفع الإيجار، وأيضا ما تحتاجه والدتي من مدخراتي، للعلم أن هذه المدخرات لتعليمي الجامعي، الذي أعلم أنه ربما ليس بالضرورة القصوى، ولكنه في حالتي هذه ضرورة لكي أعين نفسي ووالدتي مستقبلا.
سؤالي: هل يحق لي شرعا منع هذا المال عن والدي وإعطاءه لوالدتي؟ وهل آثم على غضب والدي؟ وللعلم، أنا سألته في البداية إن كان يقبل بأن أعطي المبلغ لوالدتي، ولكنه رفض.
جزاكم الله خيرا.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ فاطمة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -ابنتنا الكريمة- في موقعك إسلام ويب، ونشكر لك أولا حرصك على بر أبيك وأمك.
وينبغي أن تتذكري دائما أن بر الوالدين من أعظم القربات وأفضل الطاعات التي تتقربين بها إلى الله تعالى، وأنها سبب لسعادتك في دنياك وفي آخرتك، فـ الوالد أوسط أبواب الجنة، هكذا قال الرسول ﷺ، أي أفضل أبواب الجنة، وقد قال الرسول الكريم ﷺ: من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره، فليصل رحمه، وأولى الرحم بالصلة والإحسان الوالدان، وهذا البر للوالدين منه ما هو فرض ومنه ما هو نافلة.
فنحن ننصحك بالمبالغة في الإحسان إلى والديك بقدر استطاعتك، وليس الإحسان مقتصرا على المال، فهناك ألوان أخرى، وأنواع مختلفة من الإحسان القولي والشعوري، وينبغي أن تتذكري قول الشاعر المتنبي حين قال:
لا خيل عندك تهديها ولا مال *** فليسعد النطق إن لم يسعد الحال
أي أن الكلام أحيانا يغني عن كثير من المال، فحاولي التملق والتودد والتقرب إلى والدك وإلى أمك، بأنواع الكلام الطيب الذي يسر القلب، ويدخل الفرح إليه، وهذا من أعظم أنواع البر.
وقد قال الله -سبحانه وتعالى- في آيات سورة الإسراء حين تكلم عن الإنفاق على الأقارب، إذا سأل الإنسان شيئا وهو لا يجد ولكنه يطمع في المستقبل أن يقدر، قال سبحانه: {وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا}، يعني: إذا طلبك أحد أقاربك شيئا وأنت لا تقدرين في الوقت الحاضر، ولكنك تتوقعين أن تقدري عليه في المستقبل، فينبغي أن يكون جوابك له بكلام حسن تدخلين السرور به إلى قلبه، وتقولين له: "لعل الله تعالى أن ييسر لي في المستقبل ما أستطيع أن أعينك به وأبرك به"، ونحو ذلك من الكلام الجميل.
وبخصوص هذا السؤال الذي تسألين عنه الآن، فإنه يحق لك شرعا أن تعطي هذا المال لوالدتك ما دامت تحتاجه، ولا سيما في نفقة لازمة كنفقة إيجار البيت، ولا يجب عليك أن تبذلي إيجار البيت لوالدك؛ لأنه ميسور كما ذكرت أنت في السؤال.
ففي حدود الواجب نعم، يجوز لك أن تمنعي هذا المال عن أبيك وتعطيه لأمك، ولكن مع هذا نوصيك بأن تجتهدي غاية الاجتهاد في استرضاء والدك بالكلام الجميل، والألفاظ المحببة إلى قلبه، وسيعينك الله تعالى على تحقيق هذه المقاصد العظيمة التي تقصدينها.
نسأل الله تعالى أن يوفقك لكل خير.