كيف أتقي سوء معاملة والدي لي دون أن أقع في الإثم؟

0 0

السؤال

السلام عليكم.

هل الكره أو الغضب من أحد الوالدين محرم؟ وهل كره أحدهما لسوء تعامله معي فيه إثم؟

لا أقصد بسوء التعامل مجرد الصراخ أو الغضب في بعض المواقف، ولكن طيلة الوقت؛ فهو لا ينظر إلي وهو يكلمني، ولا يحادثني أبدا إلا إن كان يريد أن يأمر بشيء، ولا يعرف عني شيئا؛ لأنه لا يحادثني، أو يسألني عن حالي، أو يلعب معي، أو يشاركني أي ذكرى، فأشعر أننا كالغرباء، وتعامله فيه غلظة منفرة وشدة، ودائما صوته عال، ولا يبالي ولا يهتم بنا، ناهيك عن اهتمامه بأمي، وعندما نسمع صوت باب المنزل كلنا ندخل فورا إلى غرفنا، وأدخل أنا المطبخ، وأعمل فيه.

والله إن فعله يبكيني ويكسرني حين أراه كيف يتعامل مع بنات أعمامي، وكأنهن بناته، لم يعاملني قط كما يعاملهن، ووالله لم أقل له كلمة لا أبدا، ولا أف، وأقوم بكل ما يأمرني به، والابتسامة على وجهي، ولكني لم أعد أحتمل، ولم أعد أقدر على الابتسامة كما كنت، وأحاول مع نفسي مسامحته على ما يفعله معنا ومع أمي، ولكني لا أقدر على مسامحته بصدق، ولعلي أصبحت مؤخرا أظهر بالخطأ حزني منه، وبعضا من كرهي في وجهي، وأحيانا قد يظهر انزعاجي منه في نبرة صوتي المنخفضة دون أن أقصد، لكني أحاول عدم فعل ذلك.

عدا ذلك، فأنا دائما ألبي طلباته دون كلمة، أعلم أن علي الإحسان إلى الوالدين دائما، حتى ولو كانا مخطئين، وأحاول ذلك دوما، فهل أنا مذنبة؟ وماذا أفعل؟

وشكرا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ عائشة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

ما كتبته ليس شكوى عابرة، بل ألم متراكم منذ سنوات، ومن حقك أن يفهم هذا الألم، لا أن يختصر في حكم جاف.

ودعيني أبدأ بما يطمئن قلبك: المشاعر التي تجدينها في داخلك –من حزن أو ضيق أو حتى نفور– لا يؤاخذك الله تعالى عليها بذاتها؛ لأن الله تعالى لا يحاسب على ما لا يملكه الإنسان من خواطر القلب، وإنما تكون المؤاخذة على ما يقال ويفعل، والنبي ﷺ قال: إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم".

فمجرد شعورك بثقل تجاه والدك بسبب ما ترينه من قسوة، أو جفاء، ليس إثما في ذاته، بل هو ردة فعل إنسانية مفهومة، خاصة مع وصفك لعلاقة يغيب عنها الدفء، والاهتمام، لكن هنا تأتي المنطقة الدقيقة: المطلوب منك ليس أن تجبري قلبك على مشاعر لا يستطيعها، وإنما أن تضبطي سلوكك مع والدك؛ فلا يصدر منك أذى أو إساءة، وهذا –من كلامك– أنت تجاهدين نفسك فيه، وهذا يكتب لك به أجر عظيم -بإذن الله تعالى-.

ما يعانيه بعض الأبناء من غياب آبائهم عن المشهد الأسري، يكون في أحيان كثيرة أشد من كثير من صور الحرمان، يرون آباءهم حاضرين بأجسادهم، غائبين بأرواحهم، وهذا يخلق مقارنة مؤلمة حين يرونهم لطيفين مع غيرهم، فيتضاعف الجرح، وهذا الشعور مفهوم… لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى قطيعة، وعقوق، وهجر.

أختي السائلة: أنت لست مذنبة لأنك تألمت، لكنك مسؤولة كيف تتعاملين مع هذا الألم؛ فالله تعالى قال: ﴿وبالوالدين إحسانا﴾، والإحسان هنا لا يعني أن يكون القلب خاليا من الألم، بل أن يكون السلوك منضبطا بالخير رغم الألم، وهذا مقام عال جدا، وأنت -بإذن الله تعالى- على طريقه، أما ماذا تفعلين عمليا؟ فأقترح عليك:

أولا: أعيدي فهم شخصية والدك؛ فبعض الآباء لا يحسنون التعبير عن المشاعر، لأنهم نشؤوا على القسوة، أو يرون أن اللين ضعف، أو لم يتعلموا أصلا كيف يكون الأب قريبا من أبنائه، وهذا لا يبرر خطأهم، لكنه يساعدك على ألا تأخذي الأمر كأنه رفض لك أنت شخصيا، بل هو خلل في طريقته هو.

ثانيا: خففي التوقعات؛ فأصعب ما يرهقك الآن أنك تنتظرين منه صورة الأب الحنون القريب، بينما الواقع مختلف، وتقليل سقف التوقع لا يعني الرضا بالخطأ، لكنه يحمي قلبك من الانكسار المتكرر.

ثالثا: افتحي بابا صغيرا بدل انتظار تغيير كبير؛ ولا تنتظري أن يصبح فجأة أبا مختلفا، لكن جربي خطوات بسيطة جدا:

• كلمة لطيفة عند دخوله.
• سؤال عابر عن حاله.
• مشاركة موقف بسيط من يومك.

قد لا يتجاوب في البداية، لكن أحيانا القلوب القاسية تحتاج وقتا طويلا لتلين.

رابعا: عبري، ولكن بذكاء وهدوء (إن أمكن) إن وجدت فرصة مناسبة، وهدوءا، يمكن أن توصلي له شعورك بطريقة غير اتهامية، مثل: أنا أحبك، وأتمنى أكون قريبة منك أكثر، وأحيانا أحزن عندما أحس أن بيننا مسافة، بدون لوم مباشر، وإن لم يكن هذا ممكنا، فلا تضغطي نفسك؛ فليس كل الآباء يتقبلون المواجهة.

خامسا: لا تحرمي نفسك من التعويض العاطفي؛ فقربك من أمك، وصديقات صالحات، وبيئة طيبة… هذه ليست بدائل عن الأب، لكنها تسندك نفسيا؛ حتى لا يستهلكك الفراغ.

سادسا: أهم نقطة لك أنت ألا تجعلي الألم يتحول إلى قسوة داخلك، أو كره دائم لوالدك، بل اشتغلي على العفو التدريجي، ليس لأن ما حدث بسيط، بل لأنك تستحقين قلبا مرتاحا، والعفو لا يعني أنك نسيت، أو رضيت، بل يعني أنك اخترت ألا تحملي هذا الثقل طوال الوقت، وهذا هو الأريح والأسلم لك، ولحياتك، ومشاعرك.

وأخيرا: أنت الآن تقومين بشيء عظيم: تكتمين الأذى، وتبرين، وتجاهدين نفسك، وتحاولين ألا تخطئي، وهذا كله عند الله تعالى أمر عظيم، مأجورة عليه متى ما احتسبت في ذلك الأجر، وقد يكون سبب رفعة لك لا تتخيلينها.

فاطمئني: لست آثمة على مشاعرك، وأنت مأجورة على صبرك، وما تفعلينه من بر رغم الألم من أعلى مراتب الإحسان، أسأل الله تعالى أن يربط على قلبك، وأن يلين قلب والدك، وأن يعوضك من حيث لا تحتسبين، ويجعل ما تعيشينه اليوم سببا لنور وسعة في حياتك القادمة.

والله الموفق.

مواد ذات صلة

الاستشارات