تأتيني وساوس بأني إذا توقفت عند العادة السرية سيتأثر تركيزي!

0 0

السؤال

السلام عليكم.

أنا طالب في الثانوية العامة، وكنت أحاول وأجاهد نفسي على أن أتوب وأتوقف عن مشاهدة المحرمات وفعلها، ولكن تأتيني وساوس أنني إذا توقفت عن العادة السرية، وهذه المقاطع، لن أركز في دراستي، فما نصيحتكم لي؟ وهل لها أثر في تقليل التركيز إذا توقفت؟

وشكرا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عبد الله حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكركم على تواصلكم معنا وثقتكم بنا، ونحمد الله أن وفقك إلى هذا الوعي، وأن جعل في قلبك دافعا للتوبة والإقلاع؛ فهذا بحد ذاته نعمة عظيمة تستحق الشكر.

لفت انتباهي من رسالتك أنك تجاهد نفسك وتحاول الإقلاع، وهذا وحده يدل على حياة قلبك، وصدق توجهك؛ فكم من شاب غرق في هذه الآفة دون أن يشعر بأي ضيق! وكونك تتألم وتريد الخروج؛ فهذا علامة خير، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء"، والنية الصادقة في التوبة تفتح أبوابا من رحمة الله لا تحصى.

ما تصفه من وساوس بأن التوقف سيضر بتركيزك، هو نمط معروف من أنماط التفكير الذي يسميه علماء النفس: بالتبرير المعرفي، وهو أن النفس الأمارة بالسوء تصنع لنفسها مبررات للاستمرار فيما تهوى، وفي تراثنا الإسلامي سماه العلماء خدع النفس والشيطان، وقال ابن القيم -رحمه الله-: "الشيطان يأتي العبد من ثغرة عقله، فيلبس عليه الباطل في صورة الحق حتى يوهمه أنه يحسن صنعا".

فهذه الوسوسة تحديدا تستحق أن تقف أمامها، وتسألها: هل فعلا أنا مركز الآن، أم أن هذه الآفة نفسها هي التي تسرق تركيزي وطاقتي؟

من المهم أن تعرف -ابني الكريم- أن ما تقوله الدراسات النفسية الحديثة في هذا الشأن، تتوافق تماما مع التوجيه الإسلامي: مشاهدة المقاطع الإباحية تنشط في الدماغ مادة الدوبامين بشكل مصطنع ومكثف، فيصبح الدماغ مدمنا على هذا التحفيز السريع، وعاجزا عن التركيز في أي شيء يتطلب جهدا وصبرا كالدراسة والقراءة، أي أن هذه الآفة هي بالضبط ما يعوق تركيزك، لا ما يعينه، وعند الإقلاع قد تشعر في الأسابيع الأولى ببعض التوتر أو القلق، وهذا طبيعي؛ لأن الدماغ يعيد ضبط نفسه، ثم يتحسن التركيز، والطاقة، والإرادة تحسنا ملحوظا، وهذا ما يقرره كثير من الشباب الذين أقلعوا.

الأمر الأول: تقوية الصلة بالله عز وجل؛ لأن القرآن الكريم يشفي ما في الصدور، وكلما قرأت منه جزءا، وتدبرت آياته، كلما وجدت في قلبك نورا يزاحم الظلمة، قال تعالى: ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين﴾.

الأمر الثاني: الاستعانة بالصوم؛ فقد أرشد النبي -صلى الله عليه وسلم- الشباب قائلا: "يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء"، والصوم يضعف حدة الشهوة ويقوي الإرادة.

الأمر الثالث: سد المنافذ عمليا، بحذف التطبيقات التي توصل إلى هذه المقاطع، وتفعيل برامج الحجب، واصطحاب أحد أفراد الأسرة عند استخدام الهاتف في الأوقات الصعبة؛ وهذا ليس ضعفا، بل هو ذكاء وحكمة.

الأمر الرابع: ملء الفراغ؛ فالنفس إن لم تشغلها بما يعلي، شغلتك بما يدني، فاحرص على نشاط بدني يومي كالرياضة، أو المشي؛ فإنه يفرغ التوتر، ويرفع مستوى الإنتاجية الذهنية.

الأمر الخامس: لا تنتظر الكمال الفوري؛ فالتوبة طريق لا لحظة، ومن أعظم أخطاء الشباب: أنهم حين يتعثرون يظنون أن الباب قد أغلق في وجوههم، والصحيح أن يعودوا فورا إلى الاستغفار، والعزم من جديد، قال تعالى: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا﴾.

ولكي ليطمئن قلبك: عليك بالتوقف عن هذه العادة، ولن يقل تركيزك، بل على العكس تماما، ستجد بعد أسابيع قليلة أن ذهنك أصفى، وإرادتك أقوى، وطاقتك في الاستذكار أعلى؛ فالدماغ الذي يتحرر من هذا الاستنزاف، يجد طاقته لما هو أجدى وأنفع، وقد قيل قديما:

بصرت بالراحة الكبرى فلم أرها ** تنال إلا على جسر من التعب

فتعب أيام الإقلاع هو جسرك إلى راحة القلب، وصفاء الذهن.

إذا وجدت أن الأمر تجاوز حدود ما تستطيع مواجهته وحدك، أو أن الوساوس تشتد عليك، وتشعر بقلق أو اكتئاب، فلا تتردد في الاستعانة بمختص نفسي موثوق؛ فهذا من الأخذ بالأسباب الذي يرضي الله، ولا حرج فيه البتة.

نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يعينك على نفسك، وأن يجعل هذه المرحلة بداية لصفحة جديدة تجد فيها لذة الطاعة وحلاوة القرب من الله. إنه ولي ذلك والقادر عليه.

مواد ذات صلة

الاستشارات