السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا طالب عمري ستة عشر عاما، أعاني من حالة تشتت في المعرفة، وهي أنني أريد أن أتعلم العديد من العلوم في وقت واحد وأستوعبها، فمثلا أريد أن أحسن معرفتي في تخصصي المدرسي والجامعي، وأن أراجع ما تعلمته سابقا من العلوم الشرعية، كالكتب المجاز بها والمحاضرات والدورات، لأستذكر الفوائد وأحفظها، وأحب أن أستمر في طلب العلم الذي يفيدني، فقد سجلت حديثا في دبلوم للتأهيل الدعوي، وفيه سأتعلم مهارات في الدعوة، وأريد أن أمارس القراءة للكتب أكثر، لتحسين حصيلتي اللغوية.
فما حل هذا التشتت، جزاكم الله خيرا؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ ريان حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
بداية نثمن لك حرصك على طلب الاستشارة من موقع إسلام ويب، ومرحبا بك أيها الشاب الطموح، وأسأل الله أن يبارك في همتك وحرصك؛ فإن رغبتك في التعلم، وإقبالك على تحصيل العلوم في هذا العمر المبكر، دليل خير ونباهة، وبشارة بأن الله أراد بك رفعة، فاحمد الله على هذه النعمة، واستعن به على توجيهها الوجهة الصحيحة.
ما تشكو منه ليس ضعفا ولا قصورا، بل هو -في حقيقته- أثر طبيعي لكثرة ما تحمله نفسك من طموح، غير أن النفس والعقل لهما حدود في الاستيعاب، فإذا تفرقت الجهود على علوم كثيرة في وقت واحد، حصل التشتت، وضعف التركيز، وقل الثبات، ولهذا كان من هدي سلفنا التدرج في طلب العلم، بل إن القرآن الكريم -وهو أعظم العلوم- لم ينزل جملة واحدة، وإنما نزل مفرقا، لقوله تعالى: ﴿وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا﴾؛ ليثبت في القلوب، ويفهم على مهل، ويعمل به شيئا فشيئا.
فإياك والعجلة في تحصيل الكم على حساب الكيف، فإن العبرة ليست بكثرة ما تقرأ، بل بعمق ما تفهم، وثبات ما تحفظ، وقد قيل: “من طلب العلم جملة ذهب عنه جملة”، فاجعل همك إتقان القليل، فإن القليل المتقن ينمو ويبارك الله فيه، بخلاف الكثير المبعثر.
وأوصيك أن تجزئ ما تريد تعلمه إلى مسارات محددة، فتجعل لكل علم وقتا معلوما، دون مزاحمة، فمثلا: تخصص وقتا للدراسة النظامية، ووقتا خفيفا لمراجعة ما سبق من العلوم الشرعية، ووقتا محدودا للقراءة الحرة، مع عدم فتح أكثر من كتاب في التخصص الواحد، واجعل جدولك واقعيا يناسب طاقتك، وابدأ بقدر يسير تستطيع الالتزام به، ثم زد عليه تدريجيا، حتى تستقر نفسك على نظام ثابت.
ولا تغفل أهمية المراجعة، فإنها مفتاح التثبيت، فكل علم جديد يحتاج إلى مراجعة لما سبقه، وتكرار له، وصبر عليه، حتى يرسخ في الذهن، ويصير جزءا من ملكتك، فالعلم لا يؤخذ قفزا، بل يؤخذ بصبر ومداومة.
ما قمت به من الالتحاق بالدورات الدعوية خطوة مباركة، فاستمر فيها، واحرص كذلك على تعلم مهارات القراءة الصحيحة، وكيفية التعامل مع الكتب، واستخراج الفوائد منها، فذلك يعينك على تقليل الجهد، وزيادة الفائدة.
ومن الوسائل العملية النافعة أن تجعل لك هدفا أسبوعيا محددا، لا يتجاوز قدرتك، كذلك أن تكتب ما تنجزه يوميا ولو كان قليلا، بالإضافة إلى أن تثبت وقتا يوميا -ولو نصف ساعة- لا تتنازل عنه، وأيضا أن تبعد عن نفسك كل ما يشتت ذهنك وقت الطلب، مع ضرورة أن تصاحب من يعينك على الاستمرار.
اجعل لك وردا من الدعاء، تسأل الله فيه الفهم والتوفيق، لقوله ﷺ: (من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين)، وابدأ كل طلب علم بنية صالحة، فإن النية الصادقة تبارك في الوقت القليل، وتفتح لك أبواب الفهم، وتذكر أن العلم عبادة، يحتاج إلى إخلاص وصبر، لا إلى استعجال وتكلف.
واطمئن، فإنك ما دمت تسير على طريق العلم، وتجاهد نفسك في تنظيمه، فإنك –بإذن الله– ستصل، ولكن على مهل وثبات، لا على عجل واضطراب.
نسأل الله أن يفتح عليك، ويبارك في علمك، ويجعلك من النافعين لدينه، وأن يرزقك الإخلاص والثبات، ويجمع لك بين العلم والعمل.