السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أود أن أوضح معاناتي مع وسواس العقيدة، لتقدموا لي خطوات علاج مخصصة لحالتي تحديدا، فأنا أعاني اضطراب ما قبل الطمث الاكتئابي (PMDD)، مما يجعل وساوسي أشد وأقسى، بالإضافة إلى كرب ما بعد الصدمة المعقد (C-PTSD) حتى قبل ظهور الوسواس، ولا أستطيع زيارة طبيب إلى أن تتوفر لي الحرية الشخصية.
بدأت معاناتي مع الوسواس قبل أربع سنوات، لأن أختي كانت تعاني وسواسا في العقيدة أولا -وهي الآن بخير- وكانت تشتكي إلي وتسألني عن وساوسها، فتأثرت بها وانتقلت العدوى لي، فصرت أخاف كثيرا، وأبحث في أحكام الكفر والشرك، فتفاقم الأمر وأدى إلى الوسوسة.
وصرت أشعر وكأنني لو تنفست خطأ (مجازا) قد أقع في الكفر أو الشرك، وكأن الوقوع فيهما أمر سهل وخفي، ومن هنا بدأ يأتيني سؤال وراء سؤال، يأخذ حكما من مسألة وحكما من أخرى ويربط بينهما، مستغلا جهلي في هذا الباب، ويستخدم ما يبدو كأنه منطق، ليجعلني أتساءل: هل هذا الذي أفعله كفر أو شرك؟ وكان الوسواس شديدا جدا في البداية.
بعد سنة أو سنتين، قررت أن أحارب هذا الوسواس بطريقة جديدة، فوضعت لنفسي قاعدة تقول: إن أي سؤال يأتيني عن الكفر أو الشرك فهو وسواس، وإن تساءلت هل هذا وسواس أم لا، فهذا التساؤل نفسه دليل على أن الأمر كله وسواس من الشيطان، لأطمئن وأتأكد أن كل خوف يأتيني ليس حقيقيا، لأن الشيطان لا يقول إلا الكذب، وهكذا هدأ الوسواس مؤقتا.
لكن منذ عدة أشهر قررت ألا أكذب على نفسي، وأن أواجه الحقيقة، فقد أدركت أن ما كنت أفعله استرسال، وأنه مجرد درع مؤقت، لا يمنحني اليقين والشعور بالأمان التام الذي أتمناه، فكل مخاوفي ما زالت حية بداخلي، ولم أعد أريد الهروب والتمسك باطمئنان زائف، ومنذ أن اتخذت هذا القرار بدأت رحلة جديدة في مواجهة الوسواس، فاشتد الخوف وزادت الوساوس، وعادت المخاوف التي كنت أحشرها داخل قلبي، لكنني كنت أحاول تجاهلها من غير تمييز، بدلا من محاولة إثبات أنها وساوس، وما زلت أحاول أن أسير في هذا الطريق الصحيح وأتجاهل.
مشكلتي أنني لا أميز، فلو كنت أميز بين الوسواس والحقيقة لما تعذبت هكذا، ولما ترددت في التجاهل، إنه أمر مخيف جدا، وأشعر بالذنب كل يوم، وأشعر أنني أهرب من مسؤولية عظيمة طوال الوقت، وأنني أخاطر، ومع ذلك أريد أن أفعل الشيء الصحيح مهما كان، وهدفي من هذا كله هو الانتصار، وأحلم منذ سنوات أن أكون في أمان، وأن أعلم ذلك في قلبي، وأن أقول بيقين كامل إنني مسلمة بلا أي شك.
فما الحل؟ وكيف أتجاهل حتى وأنا لا أميز؟
جزاكم الله خيرا.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ Baby حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أرحب بك -ابنتي الكريمة- في موقع استشارات إسلام ويب، وأسأل الله لك العافية والشفاء والتوفيق والسداد.
طبعا اضطراب ما قبل الطمث ذو الطابع الاكتئابي، أو الذي يؤدي لعسر في المزاج معروف، ويصيب الكثير من النساء، والبنات خاصة غير المتزوجات، علاجه -إن شاء الله- ليس بالصعب.
أما بالنسبة لـ (C-PTSD) فهذا في الحقيقة تشخيص دقيق، ويجب أن يتم من خلال طبيب، نعم أنت ذكرت أنك لا تستطيعين زيارة الطبيب، لكن الطبيب الذي قام بتشخيص حالتك -إن كان قد شخصها طبيب- يجب أن يضع لك خطة علاجية -أيتها الفاضلة الكريمة-، نعم.
فهذا هو الموقف، وتوجد أدوية ممتازة، هنالك دواء واحد يعالج عسر المزاج المرتبط بما قبل الطمث، وكذلك عصاب ما بعد الصدمة من النوع المعقد، ويعالج الخوف أيضا ويحسن المزاج، الدواء هو (سيرترالين - Sertraline) والذي يعرف باسم (زولوفت - Zoloft)، هذا دواء فاعل، دواء سليم، دواء ممتاز جدا جدا، ومسموح باستعماله في عمرك، لكن أعتقد أنه لا بد أن يكون ذلك من خلال طبيب، حتى طبيب الأسرة إذا ذهبت إليه يمكن أن يصفه لك، لا إشكال في ذلك، وأنا سوف أذكر لك الجرعات.
الجرعات هي: أن تبدئي بـ (25 ملغ) أي نصف حبة من الحبة التي تحتوي على (50 ملغ) وتتناوليها كجرعة بداية لمدة عشرة أيام، بعد ذلك اجعليها حبة واحدة أي (50 ملغ) يوميا لمدة أسبوعين، ثم اجعليها (100 ملغ) أي حبتين في اليوم، واستمري عليها، هذه من المفترض أن تكون جرعة علاجية بالنسبة لك، والفوائد العلاجية سوف تبدأ بعد أربعة أسابيع من رفع الجرعة إلى (100 ملغ).
بعد الأربعة أسابيع إذا لم تتحسني اجعلي الجرعة (150 ملغ)، حيث إن هذا الدواء مسموح باستعماله حتى (200 ملغ) في اليوم، أي أربع حبات، لكن لا أعتقد أنك سوف تحتاجين لهذه الجرعة.
فإذا الخطة العلاجية واضحة جدا من حيث العلاج الدوائي، وهذا العلاج مثبتة فعاليته ولا شك في ذلك.
بالنسبة للذين لا يستجيبون استجابة علاجية ممتازة نضيف لهم عقارا يسمى (أريبيبرازول - Aripiprazole) بجرعة (5 ملجم) لمدة شهرين أو ثلاثة.
أما السيرترالين بجرعة الـ (100 ملغ) أو (150 ملغ) - أيا كانت الجرعة المناسبة بالنسبة للشخص - فيجب أن يستمر عليها لمدة ثلاثة أشهر على الأقل، بعد ذلك تخفض الجرعة إلى (50 ملغ) أو إلى (100 ملغ) لمدة ثلاثة أشهر أخرى، ثم بعد ذلك تكون جرعة التوقف وهي حبة واحدة (50 ملغ) يوميا لمدة شهرين، ثم (25 ملغ) يوميا لمدة أسبوعين، ثم (25 ملغ) يوم بعد يوم لمدة أسبوعين أخيرين، ثم يتم التوقف عن تناول الدواء.
هذا دواء فاعل ولا شك في ذلك، وعلى وجه الخصوص هذا الدواء يفتت تقريبا بصورة كاملة الوساوس ذات الطابع الفكري من النوع الذي تعانين منه، وطبعا هو يعالج المخاوف وكذلك أعراض عصاب ما بعد الصدمة، كما أنه يحسن المزاج، هذا بالنسبة للعلاج الدوائي وأعتبره أساسيا في حالتك.
وطبعا بعد ذلك تتبقى أمور علاجية أخرى مهمة، وهي أن توقفي تماما الحوار مع هذه الوساوس، إيقافا تاما، وهذا نسميه بالتجاهل المطلق، وتصرفي الانتباه عنها تماما وتستبدليها بأفكار أخرى، إذا ألح عليك الوسواس بالرغم من التجاهل والتحقير، فاستبدلي الفكرة الوسواسية بفكرة أخرى جميلة، وهكذا، وعليك أيضا أن تتجنبي الفراغ؛ لأن الوساوس تتصيد الناس كثيرا في أثناء الفراغ، نعم، الفراغ الذهني أو الفراغ الزمني.
فإذا ذهنيا يجب أن تشغلي نفسك من خلال القراءة والاطلاع، مثلا ادخلي في برنامج ممتاز، برنامج حفظ القرآن الكريم، هذه الأساليب العلاجية أساليب مهمة جدا جدا.
وكما ذكرت لك يجب أن توقفي حوار الوساوس، وأنت لست محتاجة أن تقولي في قلبك مثلا "أنا مسلمة"، أنت مسلمة أصلا، فلا تصلي إلى هذه الدرجة إذا حاولت أن تقنعي نفسك بهذه الكيفية السلوكية الفكرية، فهذا ليس أمرا جيدا، كأن الوسواس قد أخرجك من الملة، لا، ليس هذا هو المنهج، إنما تخاطبين الفكرة الوسواسية: "أنت فكرة حقيرة، أنا أتجاهلك تماما، أنت لست جزءا من حياتي"، وهكذا، ولا تدخلي في أي تحليلات، وفجأة انتقلي إلى فكرة أخرى مضادة لهذه الوساوس، مثلا: تصوري يوم تخرجك من الجامعة، تخيلي يوم زواجك، تخيلي أحداثا عظيمة وجميلة في الحياة.
هذا هو الذي أنصحك به، وإن شاء الله تعالى سوف يتفضل الشيخ الدكتور أحمد سعيد الفودعي، بإسداء المزيد من النصائح القيمة لك.
بارك الله فيك، وجزاك الله خيرا، وبالله التوفيق والسداد.
_______________________________________________
انتهت إجابة الدكتور/ محمد عبد العليم، استشاري أول الطب النفسي وطب الإدمان.
وتليها إجابة الشيخ الدكتور/ أحمد سعيد الفودعي، مستشار الشؤون الأسرية والتربوية.
_______________________________________________
مرحبا بك مجددا -ابنتنا الكريمة- في استشارات إسلام ويب، نسأل الله تعالى أن يذهب عنك شر هذه الوساوس ويعافيك منها، ويعجل لك بالشفاء والخلاص منها.
وكنا في استشارة سابقة قد بينا لك أن هذه الوساوس لا تضرك في دينك ولا تؤثر على إيمانك، وأن كل ما تخافينه من الكفر والوقوع فيه إنما هو مجرد أوهام ووساوس لا حقيقة لها، فالحقيقة التي نكاد نجزم بها هي وجود إيمان في قلبك؛ لأن هذا الإيمان هو الذي يجعلك تعيشين هذا الواقع، الذي تخافين فيه من آثار هذه الوسوسة على دينك، وتخافين على مستقبلك، وتخافين على زوال إيمانك.
فكل هذا الخوف والقلق هو الدليل القطعي على وجود إيمان في القلب؛ لأنه مخالف ومضاد لهذه الوساوس، فلو كان قلبك مملوءا بما يوافق هذه الوساوس، لما كان حصل لك كل هذا الانزعاج والقلق والخوف.
والآن الواجب عليك شرعا -وليس مجرد اختيار وتفضيل- الواجب عليك شرعا أن تعودي إلى ما كنت قد فعلته من قبل من تجاهل هذه الوساوس، وعدم الاهتمام بها، وأنت قد لاحظت الأثر بنفسك، وليس هناك دليل أقوى من هذا الدليل الذي فعلته أنت بنفسك، فإنك قد شعرت حين تجاهلت هذه الوساوس بالهدوء وقلة هذه الوساوس، وذلك كان خطوة في زوالها بالكلية، ولكن للأسف رجعت مرة أخرى بدافع هذه الوساوس أيضا إلى التفاعل معها، ومحاولة الإجابة عن أسئلتها، وهذا هو الذي أورثك قلقا جديدا وعودا قويا لهذه الوساوس.
فالواجب الشرعي -أيتها البنت الكريمة- هو أن تمتثلي لتوجيه النبي ﷺ الذي قال فيه لمن أصابه شيء من الوساوس، قال: فليستعذ بالله ولينته، وهذا أمر، فالرسول ﷺ يأمرك بأن تجتنبي تماما التفاعل مع هذه الوساوس، والاهتمام بها والاعتناء بأسئلتها، ومحاولة إقامة البراهين والدلائل على إيمانك، وعلى أنك لست موسوسة، فكل هذه المظاهر هي في الحقيقة تفاعل مع الوسوسة، وهذا التفاعل يقويها ويعزز وجودها.
والحل الشرعي الذي يأمر الله تعالى به ويرضاه ويحبه هو أن تتجاهليها تماما؛ لأنها من خطوات الشيطان، وقد قال الله: {يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان}، وقد قال الرسول ﷺ كما سمعت في الحديث: ولينته أي: يعرض عن هذه الوساوس، وهذا الإعراض هو المطلوب شرعا منك الآن، وقيامك بهذا الإعراض هو العبادة المطلوبة منك، وهو السبيل والطريق الذي شرعه الله، ويحبه ويرضاه منك، فلا تبالي بأي شيء خلاف ذلك.
ولا تستجيبي لنداء الشيطان الذي يوحي إليك، أو يوهمك بأن إعراضك إنما هو تساهل في دينك، فهو حريص على أن يستمر هذا الوضع، وأن تعيشي في هذه الدائرة من الحزن والضيق والكآبة ليكدر عليك حياتك، ويقطعك عن عباداتك، ويوصلك إلى مرحلة من الحزن، فقد قال الله تعالى عنه: {إنما النجوىٰ من الشيطان ليحزن الذين آمنوا}.
نؤكد مرة أخرى -ابنتنا الكريمة- أن أول ما ينبغي أن تجتهدي فيه هو الانصراف الكامل عن هذه الوساوس، والاشتغال بغيرها حين تداهمك، مع الإكثار من الاستعاذة بالله تعالى من الشيطان الرجيم، والتحصن بأنواع الأذكار.
فهذا هو طريق الخلاص، فاستعيني بالله -سبحانه وتعالى- واثبتي عليه، واسأليه -سبحانه وتعالى- أن يعينك على الدوام عليه، مع الأخذ بالأسباب الحسية من التداوي، وقد وصف لك الدكتور/ محمد عبد العليم العديد من الوسائل العلاجية النافعة، والتي تعيد إلى الجسم اعتداله وتصحح مزاجه -بإذن الله تعالى-.
نسأل الله تعالى أن يصرف عنا وعنك كل سوء ومكروه.