السؤال
السلام عليكم.
أنا متزوجة، وزوجي ملتزم -والحمد لله-، ولكنه شخص اجتماعي، ويسعي أن يكون لديه عمل خاص به في مجاله، ولذلك هو حريص على التفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي، وحضور الإيفينتات، والمناقشات في مجال عمله من أجل التعريف بنفسه، وتكوين علاقات عمل تفيده في أن يجد فرص عمل جيدة في الشركات، أو على مستوى العمل الخاص به، ويتعرف إلى الرجال والنساء أيضا اللذين قد يفيدونه، مع علمه بالضوابط، وأغلب هؤلاء النساء -إذا لم يكن جميعهن- لسن محجبات، بل متبرجات، ولكنه لا يتعامل معهن إلا في نطاق العمل إذا احتاج منهن شيئا، فما حكم ذلك التعامل والتواجد في الإيفينتات؟
مع العلم: أن هناك فقرة للغداء، جماعية في آخر اليوم، أو منتصفه، فهل لي الحق أن أطلب منه ألا يذهب، أو يتعامل معهن؟
كما أوضحت سابقا أن هدفه الأول والأخير عمل (براندينج) لنفسه، وإيجاد فرص عمل جيدة، سواء إن كان من سيساعده بنتا أو ولدا، هو لا ينظر لهذه النقطة فقط، وإنما هدفه المصلحة، ولكني لا أطيق ذلك، ولا أريده أن يتعامل من الأساس.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ منى حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -أختنا الكريمة- في شبكة إسلام ويب، وردا على استشارتك أقول، مستعينا بالله تعالى:
أسأل الله تعالى أن يصرف عنك الشيطان، وكيده، ووساوسه، وأن يجعل غيرتك معتدلة، ويجعل حياتكما سعيدة، إنه سميع مجيب.
وسوف أجيب على استشارتك من الناحية الشرعية، والأسرية، والتربوية؛ لأن المسألة فيها تداخل بين الحكم الشرعي، والمشاعر الزوجية، وطبيعة الواقع العملي.
أولا: الحكم الشرعي للتعامل والعمل المختلط:
الأصل أن عمل الرجل، وسعيه في رزقه، وبناء مستقبله المهني، أمر مشروع، بل مطلوب، وخاصة إذا كان يسعى لتطوير نفسه، وتحسين دخله، وتكوين علاقات عمل نافعة، وإنشاء عمل خاص به يعف به نفسه وأسرته.
الأصل في تعامل الرجل مع النساء في الشريعة الجواز عند الحاجة، سواء كان التعامل في الجانب التجاري، أو العمل المكتبي، أو التعليم وغيره، غير أن هذا الجواز مقيد بضوابط شرعية واضحة، منها: الالتزام بغض البصر، وعدم الخلوة، وأن يكون الكلام بقدر الحاجة، وبأسلوب جاد غير متكسر، ولا متوسع، مع أمن الفتنة، وألا يكون في ذلك تهاون، أو انجرار إلى ما لا يرضي الله، فإن كان زوجك –كما ذكرت– ملتزما بهذه الضوابط، ولا يتجاوز حدود العمل، ولا يقصد التوسع في العلاقات لغير مصلحة العمل، فالأصل أن هذا التعامل جائز، ولا حرج فيه.
وجود نساء غير محجبات، أو متبرجات في بيئة العمل أمر واقع موجود في كثير من المجالات اليوم، ولا يحرم العمل بسببه ما دام الإنسان منضبطا بالضوابط الشرعية.
حضور زوجك الفعاليات جائز من حيث الأصل إذا كانت في مجال العمل، ولكن ينظر إلى طبيعتها: فإن كانت فيها منكرات ظاهرة، كالاختلاط غير المنضبط، والتبرج الفاحش، والموسيقى المحرمة، والأجواء غير المنضبطة، فهنا يطلب منه تقليلها، أو اجتناب ما فيها منكر بقدر الاستطاعة.
أما إن كانت فعاليات مهنية منضبطة في الغالب، فالأصل الجواز مع التحفظ.
الغداء الجماعي لا حرج فيه إن كان بصورة عامة غير خاصة، وفيه عدد من الناس، وليس فيه خلوة، أو تجاوز.
ثانيا: ما تجدينه من المشاعر جراء ذلك: هذا ليس ضعفا منك، بل هو أمر مفهوم؛ فهي غيرة طبيعية في قلب الزوجة، وخوف مشروع على الزوج والعلاقة، لكن هنا ينبغي التفريق بين الغيرة المحمودة التي تضبطها الشريعة والعقل، والغيرة المفرطة التي قد تضر بالحياة الزوجية، وتضيق على الزوج في أمر مباح.
ثالثا: هل لك الحق أن تطلبي من زوجك الامتناع؟ ليس من حق الزوجة شرعا أن تمنع زوجها من أمر مباح يحتاجه في عمله ومعاشه، خاصة إذا كان ملتزما بالضوابط، ويقصد مصلحة حقيقية، ولا يوجد تقصير في حقوقك.
لا مانع أن تطلبي منه ما يطمئنك، مثل: تقليل الاحتكاك غير الضروري، وعدم التوسع في العلاقات مع النساء، وتجنب الأماكن أو الأجواء غير المريحة لك، وأذكرك بأن الحياة الزوجية مبناها على الثقة التامة بين الزوجين.
رابعا: التعامل مع الموقف بحكمة من خلال:
1. الحوار الهادئ الصادق؛ فتحدثي معه في الوقت المناسب الذي ترينه يتقبل الكلام ويصغي له، ويكون الكلام لا بمنطق المنع، بل بمنطق تبدين فيه مشاعرك باتزان، كأن تقولي له: "أنا أتألم وأغار، وأحتاج أمانا أكثر"، فهذا الأسلوب يفتح قلبه بدل أن يشعر أنك تعيقين مستقبله.
2. الاتفاق معه على ضوابط مشتركة، مثلا:
• عدم إقامة علاقات شخصية مع النساء خارج نطاق العمل.
• تقليل المزاح، أو التواصل غير الضروري.
• اختيار الفعاليات الأكثر انضباطا.
3. تعزيز الثقة بدل المراقبة؛ فالرجل إذا شعر بالثقة، غالبا يحرص على ألا يخسرها، أما إذا شعر بالتقييد الشديد، فقد يؤدي ذلك لنتائج عكسية.
4. تذكيره بلطف بالضوابط الشرعية بأسلوب رقيق، لا اتهامي، كأن تقولي له: "أنا مطمئنة لك، لكن أخاف عليك من الفتن، فكن حذرا."
5. الانشغال الإيجابي، فحاولي أن يكون لك دور في دعمه من خلال:
• مشاركته اهتمامه بعمله.
• تابعي إنجازاته وشجعيه، وأكثري له من الدعاء.
• كوني جزءا من نجاحه بدل أن تكوني في مواجهته، واكسبي قلبه بدل أن تنفريه منك.
• لا تدققي عليه، ولا تسأليه عن تفاصيل ما فعله في عمله؛ حتى لا تضيقي عليه، وكليه إلى دينه، وعززي ثقتك بزوجك.
• عالجي مشاعرك واضبطيها، ولا تطلقي لها العنان لتتحكم بك، وبمشاعرك وعواطفك، وكلما تحركت غيرتك، سلي نفسك: هل عندي دليل حقيقي أم مجرد خوف؟ هل زوجي تغير أم لا؟ فإذا لم يكن هناك تغير، فالمشكلة هنا في القلق الداخلي، وليس في الواقع.
أسأل الله أن يخفف من غيرتك، ويطمئن قلبك، ويصلح حالك، ويجعل بينك وبين زوجك المودة والرحمة، آمين.