وقعت في فخ الإدمان الإباحي لسنوات..هل التوبة والتعافي ممكن؟

0 0

السؤال

السلام عليكم.

بارك الله لكم، ووفقكم.

عمري 21 سنة، أعاني من مشكلة الإباحية، والعادة السرية، ولي ما يقارب 9 سنوات من مشاهدة الإباحية، وممارسة العادة السرية، وفي كل مرة أقول سأتوقف، ولا أقدر، وعلاقتي بربي أصبحت ضعيفة، وثقتي بنفسي في الحضيض، وشخصيتي ضعيفة جدا، وهذا الكابوس يسبب لي التوتر والقلق والخوف المزمن، فهل أستطيع العلاج من هذا المرض، أم سأعيش بقية حياتي هكذا؟

وشكرا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكركم على تواصلكم معنا، وثقتكم بموقعنا.

فهمنا من رسالتك -أخي الكريم- أنك تمر بمحنة حقيقية مضى عليها سنوات طويلة، وأنك تحمل معها ثقلا روحيا ونفسيا أثر في علاقتك بربك، وفي نظرتك لنفسك، وقد لفت انتباهنا سؤالك الأخير: هل يمكنني العلاج؟ وهذا السؤال في حد ذاته علامة خير؛ لأن من مات فيه الأمل لا يسأل عن الطريق.

نعم، يمكنك التعافي، وأمامك أمثلة كثيرة لمن مروا بما تمر به وأصبحوا أحرارا، فلا تستسلم لوهم أن هذا قدرك الأبدي.

أولا: في ما يخص علاقتك بالله: لا تظنن أن كثرة الذنوب تغلق باب الرحمة؛ فالله سبحانه يقول: ﴿قلۡ يـٰعبادي ٱلذين أسۡرفوا۟ علىٰٓ أنفسهمۡ لا تقۡنطوا۟ من رحۡمة ٱللهۚ إن ٱلله يغۡفر ٱلذنوب جميعاۚ إنهۥ هو ٱلۡغفور ٱلرحيم﴾ (الزمر:53)، وهذه الآية الكريمة نزلت تحديدا لأمثالك ممن أحسوا بثقل ذنوبهم، وتساءلوا في قرارة أنفسهم: هل يغفر الله لي بعد كل هذا؟ والجواب الإلهي واضح وصريح: يغفر الذنوب جميعا.

ابدأ اليوم بعودة حقيقية إلى الله، ليس عودة من يريد أن يكون مثاليا من أول لحظة، بل عودة شخص يمشي نحو ربه خطوة خطوة؛ ففي الحديث القدسي: (من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة)، والله لا ينتظر منك الكمال، بل ينتظر منك القدوم إليه.

ثانيا: ما تعانيه ليس مجرد عادة سيئة يكفي لإيقافها قرار قوي، بل هو نمط سلوكي إدماني تشكل على مدى 9 سنوات، وهو يشترك مع سائر الإدمانات في آليته على الدماغ؛ إذ يفرز الدماغ عند مشاهدة المحتوى الإباحي موادا كيميائية تعطي شعورا مؤقتا بالراحة، ثم تعود الحاجة إليها بشكل قهري، وهذا يفسر لماذا تعجز عن التوقف بمجرد الإرادة وحدها، فالأمر يتجاوز ضعف الشخصية، وهو ما يجب أن تعيه؛ حتى لا تجلد نفسك كلما وقعت من جديد، لكن هذا لا يعني أن الإرادة لا دور لها، بل لها دور محوري في بدء التعافي والمثابرة عليه.

ثالثا: من الأمور التي ستعينك -بإذن الله- في هذه المسيرة:

- التوبة الصادقة المتجددة؛ وهي أن تعود كل مرة تقع فيها مباشرة دون تأخير، تتطهر، وتصلي ركعتين، وتستغفر، ولا تجعل الوقوع سببا لليأس؛ فاليأس هو الذي يديم الإدمان لا الذنب نفسه.

- سد الذرائع عمليا؛ وذلك بحذف كل المحتوى المحرم من أجهزتك، وتفعيل برامج الحجب على متصفحاتك، ووضع أجهزتك في أماكن مفتوحة، لا في غرفة مغلقة وحدك؛ فالبيئة تصنع السلوك أو تكسره.

- صوم التطوع؛ فقد أوصى النبي -صلى الله عليه وسلم- الشباب بقوله: (يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)، والصوم يكسر حدة الشهوة، ويقوي الإرادة معا.

- ملء الفراغ بالبديل الإيجابي؛ فأكثر حالات الوقوع تحدث في أوقات الفراغ والوحدة، فاملأ وقتك بالرياضة، والقراءة، والمشاريع الشخصية، وابحث عن رفقة صالحة تعينك لا تثبطك؛ ففي الحديث: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ).

- بناء الثقة بالنفس تدريجيا؛ فكل يوم تصمد فيه هو انتصار حقيقي يستحق أن تحتفل به في نفسك، وابن على الأيام الجيدة، ولا تدمر كل شيء بسبب يوم سيئ؛ فالتعافي ليس خطا مستقيما، بل هو صعود بتعثرات.

رابعا: الإدمان يأكل الثقة بالنفس؛ لأن الشخص يرى نفسه يخسر أمام نفسه، وكلما تكرر الوقوع كلما تعمق الشعور بالضعف، وهذا يخلق حلقة مفرغة، والحل أن تعمل على بناء الثقة من زوايا أخرى: كأن تتعلم مهارة جديدة، وتلتزم بهدف صغير، وتحقق إنجازا فيه، اخرج من دائرة المقارنة، وستجد أن كل إنجاز في أي مجال ينعكس إيجابا على قدرتك على الصمود في مواجهة هذه العادة.

خامسا: الارتباط الوثيق بين الإدمان والقلق والتوتر أمر موثق؛ فكثير من الشباب يلجؤون إلى هذا النمط السلوكي هربا من مشاعر الوحدة والقلق والضغط، ثم يزيد الإدمان القلق، فيزيد القلق الإدمان، ومن أهم خطوات الخروج من هذه الحلقة: أن تتعلم أدوات بديلة لإدارة المشاعر الصعبة: كالرياضة، والكتابة، والتحدث مع شخص موثوق، ولا تقنط من رحمة الله. قال الإمام الشافعي رحمه الله:
وإني لأرجو الله حتى كأنني ** أرى بجميل الظن ما الله صانع.

سادسا: نود أن نكون صادقين معك تماما: تسع سنوات من الإدمان السلوكي تحتاج في الغالب إلى دعم متخصص من معالج نفسي، أو أخصائي في الإدمان السلوكي، وهذا ليس ضعفا، ولا عيبا، بل هو أشجع قرار يمكنك اتخاذه؛ فطالب المساعدة أقوى من الذي يصارع وحده في الخفاء، وهناك اليوم متخصصون يعملون في هذا المجال تحديدا، ويمكنهم مساعدتك بأدوات علمية فعالة لا تستطيع أنت وحدك الوصول إليها، ويمكنك الاستفادة من مجموعات وموارد موجودة على النت، مثل: خدمة (واعي)، وخدمة (تعافي).

أخي الكريم: أنت لست ضعيفا، بل مبتلى، وبين الابتلاء والضعف فرق كبير؛ فالمبتلى يصارع وينهض، والذي يكتب رسالة يطلب فيها الخروج بعد تسع سنوات لم يمت فيه الأمل، وهذا يكفيك بداية.

نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل.

مواد ذات صلة

الاستشارات