السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أمي مريضة بالسكري، عندما كنت عزباء كانت توجه إلي شتى أنواع الكلام القاسي، مع أني لم أفعل لها شيئا، تزوجت -ولله الحمد-، ولكن الأمر نفسه تتعرض له بناتي الآن، وهن لم يزلن أطفالا، أخبرتها أن الأطفال لا يعاملون بهذه الطريقة، فقالت لي: "أنت عاقة، وسيرد لك ذلك"، ودعت علي بأن تعاملني بناتي كما أعاملها هي، مع أني لم أقل لها سوى: "رجاء، لا تشتمي أطفالي"، ثم قالت لي: "أنا لا أريدهم في منزلي".
لا أدري ماذا أفعل، مع أني آتي فقط للزيارة، وفي المنزل يوجد ابن أختي أيضا، ولا يسمع منها إلا الكلام الطيب، وهو في نفس عمرهن، وأحيانا إذا سمعت صوتا أو حركة تبدأ بالشتائم ظنا؛ منها أن بناتي من فعلن ذلك، فإذا تبين لها أنه هو، تسكت وتكلمه بلين.
لا أعرف ماذا أفعل!
أفيدوني، جزاكم الله خيرا.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ مريم حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يربط على قلبك، وأن يرزقك الحكمة التي تجمع بين بر أمك وحماية أولادك، وأن يجعل لك من هذا الضيق مخرجا ومن هذا الألم أجرا.
أولا: لا شك أنك بين عاطفتين، بين حب الأم وحق الأبناء، والشرع لا يطلب منك أن تهملي أحدهما، بل أن تحسني التوازن، وقد قال تعالى: {وبالوالدين إحسانا}، وقال أيضا: {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا}، فجمع بين البر والرعاية، وهذا هو الطريق الذي تحتاجين أن تسيري فيه بهدوء وثبات.
ثانيا: بخصوص ما تفعله والدتك من الشتم للأطفال، فينبغي أن نبين أمرين:
الأمر الأول: حب الجدة للأحفاد حب فطري، لا تملك هي من أمره شيئا، ولا يعدله حب في الدنيا، وكونها تحسن إلى أولاد أختك فهذا لا يعني أنها لا تحب أولادك، وأنت اليوم أم، وسوف تواجهين لاحقا من يزعم من أولادك أنك تحبين الآخر أكثر منه، وهذا طبيعي في الحياة العائلية.
الأمر الثاني: هذا السلوك نحن نرفضه تربويا ونعده خطأ، لكنه غير مقصود قطعا، وعلاج مثل هذا الخطأ لا يكون بالصدام مع الأم، وإن اخطأت، ولا برفع الصوت، بل بالأسلوب الهادئ المتكرر.
ثالثا: ننصحك في هذه المرحلة من الشد بما يلي:
1. زوري والدتك بغرض إصلاح ما كسر، ولا تتحدثي معها في طريقة التعامل؛ لأنها تربت على مثل هذا الأسلوب، ولا ترى فيه كبير خطأ يستوجب التنبيه.
2. ابتعدي عن الجلسات الطويلة التي يكثر فيها الاحتكاك، فهذا يخفف المشكلة دون أن تقطعي صلتك بها.
3. إذا بدأت والدتك في الشتم، فلا تجادليها في لحظة الغضب، بل وجهي الكلام بهدوء لأولادك: "جدتكم تحبكم، وأنتم أغضبتموها، وهذا لا يصح منكم"، فإن مواجهتك للأولاد بهذا الأسلوب سيخفف من حدة الوالدة.
4. بعد الإصلاح اختاري وقتا هادئا، وتحدثي معها بلطف، وقولي لها: "أنا أحبك وأحتاجك، وبناتي أيضا يحبونك، وأنا أحاول ألا أتعامل معهم بالسب والإيذاء، وأريد نصيحتك إذا أغضبوني"، واتركي لها الحديث.
5. لا تقارني بينهم وبين أولاد أختك؛ لأن المقارنة تشعرها بالهجوم، وقد تزيد العناد، بل ركزي فقط على أثر الكلام على الأطفال.
6. دعاؤها عليك لا يضرك؛ لأن الله عدل لا يجيب دعاء الظلم، فلا تحملي هذا الخوف في قلبك، بل اطمئني، وأحسني الظن بالله.
7. إذا لم يتغير الحال، فالتقليل من أخذهم معك عند الزيارة، مع استمرار البر من بعيد، حل صحيح، اسألي عنها، تواصلي معها، وقدمي لها ما تستطيعين.
8. احرصي أن لا ينتقل التوتر إلى أولادك، طمئنيهم، واشرحي لهم بلطف أن بعض الكبار قد يخطؤون في الكلام، لكن عن غير قصد، وأن جدتهم تحبهم.
9. تذكري أن برك لا يقاس برد فعل أمك، بل بنيتك وصبرك، فاستمري في الإحسان بالقدر الذي تستطيعينه، دون أن تفتعلي مشاكل مع أمك.
نسأل الله اللطيف بعباده أن يصلح بينكما، وأن يؤلف بين قلوبكما، وأن يهدئ النفوس، وأن يدخل على بيتكما الرفق، فإن الله إذا أحب أهل بيت أدخل عليهم الرفق، وأن يحفظ الأبناء من الأذى، وأن يعينكم على البر مع الحكمة، وأن يجعل في البيوت السكينة والرحمة، إنه على كل شيء قدير، والله ولي التوفيق.