السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وفقكم الله وأثابكم خيرا.
أنا فتاة شابة، عمري 21 سنة، عزباء، لم تتهيأ لي فرصة الزواج حتى الآن؛ فكلما تعرفت إلي امرأة وطلبت مني التواصل ذهبت ولم تعد، أو كلما تقدم شاب لي لم يتم الأمر، عدا ذلك، بدأت العمل في مكان ولم أتجاوز الشهرين وتركته، ثم عملت في مكان آخر أيضا لم أتجاوز الثلاثة أشهر وتركته، والسبب كان منهم وليس مني.
أيضا، كل راتب آخذه أتصدق بجزء كبير منه، وقد أقسمت لله أنه إذا كان عملي ليس فيه خير لي فليصرفه عني، بحكم أنه مختلط، وبالفعل صرف عني؛ فقلت في نفسي لن أحزن.
أتى رمضان ودعوت الله كثيرا بالعمل والزوج الصالح، لكن مشكلتي هي أنني أشعر ببرود تام تجاه أي شيء، سواء الزواج أو العمل؛ أشعر بالسكينة ولا أشعر بالانزعاج، لكني أشعر بأنني أفكر في حق الله بشيء من الخذلان، ويحزنني ضميري وأقول في نفسي إنني آثم، لأن الله ليس كذلك.
أشعر بالذنب والحيرة، وأنا مرضية للوالدين ولله الحمد، وملتزمة بالسنن والأذكار، وملتزمة تقريبا بأغلب الفرائض والنوافل، لكن أموري متعسرة دائما، أخاف بأنني فعلت شيئا سيئا حتى تركني الله لنفسي، لكني في حيرة من أمري وضائعة، فماذا أفعل؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ ميرا حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكركم لتواصلكم معنا وثقتكم بموقعنا.
فهمنا من رسالتك أختي الكريمة أنك تمرين بمرحلة تتراكم فيها التساؤلات، وتتشابك فيها المشاعر؛ فمسألة الزواج الذي لم يتيسر بعد، والعمل الذي تقطعت أسبابه مرتين، ثم ذلك البرود الغريب الذي يسكن قلبك ولا تعرفين كيف تفسرينه، وأخيرا تلك اللحظة التي مر فيها بقلبك خاطر يرى في أمر الله شيئا من الخذلان، وقد أزعجك هذا الخاطر وآلمك، ولهذا الألم قيمة كبيرة كما ستعرفين.
دعينا نقف معك عند كل نقطة بشيء من التأمل والتفهم.
أولا: البرود الذي تشعرين به من الطبيعي جدا حين يتكرر الأمل ثم ينكسر، مرة في باب الزواج ومرة في باب العمل، أن يبدأ القلب في حماية نفسه بنوع من الهدوء العاطفي الذي يبدو من الخارج وكأنه لا مبالاة، هذه ظاهرة إنسانية معروفة، وليست دليلا على ضعف الإيمان ولا على قسوة القلب، لكن ثمة تفسيرا آخر أجمل وأعمق، وهو أن هذا البرود قد يكون نوعا من السكينة التي يهبها الله لمن فوض إليه أمره، فلم يعد القلب يضطرب؛ لأنه بدأ يثق أن الأمر ليس بيده أصلا، وهذا مقام رفيع.
والفرق بين الأمرين يظهر في نقطة واحدة: هل لا تزالين تدعين الله وتطرقين بابه؟ وقد أجبت نفسك في رسالتك حين قلت إنك دعوت في رمضان كثيرا، فهذا يعني أن القلب لم يمت، وأن السكينة فيه لا اليأس.
ثانيا: قلت إنك أحسست بشيء من الخذلان في حق الله، ثم أزعجك ذلك وحزن ضميرك وقلت في نفسك إنك تأثمين؛ لأن الله ليس كذلك، أختي الكريمة، هذا الضمير المتيقظ الذي يرفض الخاطر السيئ ويحكم عليه بالخطأ فور مروره، هو بحد ذاته دليل على طهارة قلبك وحياته، الخاطر الذي يمر ولا تستقرين معه ولا تتبعينه لا يعد إثما، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تتكلم)، وما دمت رفضت هذا الخاطر وأنكرته على نفسك، فأنت بإذن الله بعيدة عن الإثم.
ثالثا: الخذلان أو الابتلاء؟ هذا هو السؤال الأعمق في رسالتك، تقولين إن أمورك متعسرة دائما، وتخافين أن تكوني فعلت شيئا سيئا فتركك الله، دعينا نفكر معك بهدوء.
يمكن أن ننظر إلى ما يجري معك من زاويتين مختلفتين تماما:
الأولى: أن ما حدث من انتهاء فرص الزواج، وترك العمل مرتين ليس خذلانا ولا عقوبة، بل هو صرف إلهي لما لا خير فيه، وقد قلت أنت بلسانك إن السبب كان منهم لا منك، وأنك دعوت أن يصرفه الله إن لم يكن فيه خير لك، فلما صرف عنه فرحت نفسك وقلت لن أحزن، فما الذي يجعلك تظنين الآن أن هذا الصرف هو خذلان وليس استجابة لدعائك وتنفيذا لاستخارتك؟ لعل الله قد أجابك، فاستبشري ولا تحزني.
الثانية: أنك في مرحلة ابتلاء حقيقية، والابتلاء ليس دليلا على الغضب الإلهي، بل قد يكون العكس تماما، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط).
والمؤمن الحق هو من يفرق بين الابتلاء والعقوبة، ولا يقيسهما بمجرد اليسر والعسر في أمور الدنيا.
ثم انظري إلى حالك: مرضية الوالدين، ملتزمة بالفرائض والنوافل، محافظة على الأذكار، تتصدقين من راتبك، أقسمت لله وأحسنت التوكل، هذه ليست صورة من تركها الله، بل هي صورة من يعنى الله بتربيته وإعداده.
رابعا: من الأمور التي ستعينك بإذن الله على تجاوز هذه المرحلة:
أن تداومي على إحسان الظن بالله في كل شيء، وأن تجعلي شعارك ذلك الحديث القدسي: (أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء)، فما ظننت بالله خيرا إلا وجدته، وما ظننت به غير ذلك إلا كان مدخلا للشيطان إلى قلبك.
أن تتأملي في حقيقة أن التأخر ليس الحرمان، الزواج في سن الواحدة والعشرين ليس واجبا قد فات أوانه، وكثير من النساء الصالحات تأخر زواجهن وكان فيه خير ما كن ليتوقعنه، والرزق بكل أنواعه له أوقات مكتوبة لا تتقدم ولا تتأخر، وفي عرف مجتمعاتنا اليوم أنت لا زلت صغيرة، وفرص الزواج أمامك ممتدة بإذن الله.
أن تحرصي على مواصلة الدعاء؛ لأن الدعاء عبادة لها قيمتها المستقلة عن الإجابة، وأن تتذكري قوله تعالى: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم﴾، واليقين بالإجابة شرط من شروط قبول الدعاء.
أن تكتشفي ذاتك في هذه المرحلة وتستثمريها، تطوير مهارة، تعلم شيء نافع، بناء علاقات اجتماعية صحية، الاستمرار في البحث عن عمل مناسب دون التوقف عند ما مضى، فالسعي من العبادة، والتوكل لا يعني الجلوس.
أن تتأملي في كلام الله عز وجل: ﴿فإن مع العسر يسرا * إن مع العسر يسرا﴾، لاحظي أن اليسر مع العسر لا بعده، وأن التكرار في الآية رسالة ربانية بأن يسرين لا يغلبهما عسر واحد.
أما ذلك البرود الذي تشعرين به، فإن استمر وأثر على قدرتك على الاستمتاع بالحياة أو على أداء مهامك اليومية، فإن من الحكمة استشارة أخصائية نفسية، إذ قد يكون مؤشرا على شيء يستحق الاهتمام والرعاية، وطلب المساعدة في هذا شجاعة لا ضعف.
وختاما، يقول عمر تقي الدين الرافعي في أبيات جمعت خلاصة ما أردنا قوله:
عليك بحسن الظن بالله دائما فليس لغير الله نهي ولا أمر
وإن فاتك الأمر الذي قد رجوته فصبرا جميلا لا يفوت به الأجر
وحسبك إن أخلصت لله نية به واستخرت الله فالواقع الخير
نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يرزقك من حيث لا تحتسبين، وأن يهيئ لك الزوج الصالح والعمل النافع في الوقت الذي قدره لك وهو خير الوقتين، ولا تنسي أنك في الخير ما دام قلبك يرفض السوء، ويطمئن لذكر الله.
نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل.