السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أعاني وسواسا قهريا، وأصرف ماء كثيرا، ولكني لا أحب ذلك، فهل آثم على هذا؟ وهل إذا غيرت حفاظة ولم أغسل يدي ثم لمست الستارة تعد نجسة؟ ومرة كان أبي في بيت الخلاء ثم خرج، وقبل أن يغسل يديه جاءت ابنة عمي وسلمت عليه ولم تغسل يديها هي أيضا، وبعد ذلك لمست الستارة، فهل تعد الستارة نجسة؟
أرجوكم أجيبوا عن جميع الأسئلة.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ بيان حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يشرح صدرك، ويخفف عنك هذا الوسواس، ويجعلك من أهل الطمأنينة في الطهارة والعبادة.
فإن ما تعانينه باب ابتلاء يحتاج إلى فهم صحيح أكثر من حاجته إلى كثرة الفعل؛ لأن كثيرا من الموسوسين يظنون أن النجاة تكون بالمزيد من الغسل والتفتيش، بينما النجاة الحقيقية تكون بضبط القواعد وترك الاسترسال، وقد قال الله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}، وقال النبي ﷺ: هلك المتنطعون، أي الذين يشددون على أنفسهم فيما لم يشدد فيه الشرع، فدين الله مبناه على اليقين والبساطة، لا على الشك والتعقيد.
- صرف الماء الزائد بسبب الوسواس لا تأثمين عليه من جهة الإثم المقصود؛ لأنك لا تفعلينه رغبة في الإسراف، بل تحت ضغط الوسواس، لكن ينبغي أن تجاهدي نفسك لتقليل ذلك؛ لأن الأصل أن الإسراف مذموم، وقد قال تعالى: {ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين}، والطريق الصحيح أن تلتزمي بقدر محدد من الماء، ولا تزيدي عليه مهما شعرت بعدم الارتياح.
-الوسواس يجعلك تظنين أن الطهارة تحتاج إلى يقين تام بلا أي شك، وهذا غير صحيح؛ فالشرع بنى الطهارة على غلبة الظن واليقين الأول، فإذا غسلت الموضع مرة أو مرتين على وجه معتاد فقد طهرت، ولا يطلب منك التأكد بعد ذلك، لأن اليقين لا يزول بالشك، وهذه قاعدة عظيمة لو التزمت بها زال عنك نصف التعب.
- إذا غيرت (الحفاظ) ولم تغسلي يديك، فالأصل أن يدك طاهرة ما لم تري نجاسة بعينك يقينا، وليس مجرد الاحتمال أو الشعور، فإذا لم يكن هناك نجاسة ظاهرة، فلا يحكم بتنجس يدك، وبالتالي لا تنتقل نجاسة إلى الستارة.
وحتى لو افترضنا وجود نجاسة خفيفة على اليد، فإن انتقال النجاسة ليس بهذه السهولة التي يصورها الوسواس، فلا تنتقل النجاسة إلا إذا كانت موجودة يقينا وبها رطوبة مؤثرة، أما مجرد لمس عابر أو شك، فلا يبنى عليه حكم.
- في مسألة والدك، خروجه من بيت الخلاء دون غسل يديه لا يعني أن يده نجسة؛ لأن النجاسة ليست في مجرد الدخول والخروج، بل في وجود عين النجاسة، فإذا لم نرها فلا نحكم بها، وكذلك بنت عمك لا تعد يدها نجسة لمجرد السلام، ولا الستارة تصبح نجسة لمجرد لمسها؛ لأن هذه سلسلة مبنية على الظن لا على اليقين.
- الوسواس يعتمد على تضخيم الاحتمالات، فيبني لك سلسلة طويلة من الشكوك، ولو استجبت لها فلن تنتهي، ولهذا العلاج أن تقطعي السلسلة من أولها، فتقولي: "لا يوجد يقين بالنجاسة، إذن كل شيء طاهر"، وتنتهي.
- لا تفحصي، ولا تفتشي، ولا تتبعي، ولا تعيدي التفكير في نفس المسألة؛ لأن إعادة التفكير هي الوقود الذي يبقي الوسواس حيا، وكلما تجاهلت الفكرة ضعفت، وكلما ناقشتها قويت.
- اجعلي لنفسك قاعدة ثابتة: أي شيء لم أره نجسا بعيني فهو طاهر، وأي شك بعد الفعل لا ألتفت إليه، وكرري هذه القاعدة عمليا كل يوم، حتى يتعود ذهنك عليها.
-لا تجعلي الطهارة عبئا ثقيلا، بل تعاملي معها ببساطة، فالإسلام لم يبن على التدقيق المرهق، بل على السهولة، وكان النبي ﷺ يتوضأ بمد من الماء، وهو مقدار قليل جدا، ومع ذلك كانت طهارته أكمل طهارة.
- تذكري أن الله لا يريد منك هذا العناء، بل يريد منك قلبا مطمئنا وعبادة سهلة، فكلما شعرت أن الأمر بدأ يتعقد؛ فاعلمي أن هذا من الوسواس لا من الدين.
- مع الوقت، إذا التزمت بالتجاهل وعدم الاستجابة، سيضعف الوسواس تدريجيا حتى يزول بإذن الله، لكن يحتاج إلى صبر وثبات، لا إلى حلول سريعة.
فاللهم يا رب اشرح الصدور، واصرف عنها الوسواس، واملأها طمأنينة ويقينا، واجعل الطهارة والعبادة راحة وسكينة، إنك على كل شيء قدير، والله ولي التوفيق.