عندما ساءت ظروفي المادية لم تساندني زوجتي، فكيف أتعامل معها؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا متزوج منذ عشرين سنة، وكانت الأمور أكثر من ممتازة، ثم فجأة تأزمت أوضاعي وفقدت وظيفتي، ودخلت في مشاكل مادية من شيكات مرتجعة وأحكام.

في هذه الفترة كنت ضاغطا على أعصابي وسريع الغضب، وللأسف بدل أن تقف زوجتي معي زادت مشاكلي، بعدم تفهمها للموضوع وضغطها علي، حتى وصل بها الأمر إلى الخروج من البيت دون إذن، كما أنها لم تعد تقوم بواجباتها الزوجية، وتحملني مسؤولية كل شيء، ودائما تقول: إن من واجبي الإنفاق على العائلة، ولا يهمها أي شيء، مع أن الله يشهد أنني أسعى يوميا، ولكن الأمور لم تتيسر، وأنا الآن أفكر في الانفصال.

أرجو النصيحة والمشورة، مع العلم أن باب الحوار بيننا مغلق تماما.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أبو محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك -أخي الكريم- في موقع استشارات إسلام ويب، وردا على استشارتك أقول مستعينا بالله:

قرأت استشارتك، فرأيت أنك لا تمر فقط بضائقة مالية، بل بأزمة مركبة: فقدان عمل، وضغوط قانونية، وتوتر نفسي، ثم اختلال في العلاقة الزوجية بعد عشرين سنة من الاستقرار، لذلك سوف أضع لك الصورة بوضوح، ثم أكتب لك خطوات عملية، للخروج مما أنت فيه بإذن الله تعالى:

أولا: تشخيص ما يحدث بينكما.
ما تمرون به ليس مجرد خلاف زوجي، بل هو تفاعل بين ضغط خارجي وانهيار داخلي في التواصل بينكما، فأنت تمر بضائقة مالية، وهذا سبب لك ضغطا نفسيا وعصبية وغضبا، وبالمقابل شعرت زوجتك بعدم الأمان ولم تتفهم ما تمر به، فأدى ذلك إلى ردود فعل سلبية منها، فسببت لك ضغطا زائدا، بل وقصرت في واجباتها، وصارت تخرج من البيت دون إذن منك، مما أدى إلى ازدياد التوتر والغضب عندك، وبسبب ما حصل، صارت دائرة التواصل والتفاهم بينكما مغلقة، مشحونة بالتوتر والانفصال العاطفي، وكلاكما لا يرى إلا تقصير الآخر.

ثانيا: وقفة شرعية عادلة في قضيتكما.
من المهم أن ننظر بميزان العدل، لا بميزان الغضب، فالواجب عليك السعي في النفقة، وأنت تقول إنك تفعل ذلك، وهذا يحسب لك، لكن كذلك الغضب الزائد والتوتر المستمر يرهق الزوجة، وقد يدفعها لتصرفات خاطئة، فالواجب عليك أن تكتم غضبك، وأن تتصرف داخل البيت بحنان وود، وتشعر زوجتك بالأمان، وتتشارك معها همومك، ولا شك أنها سوف تتفهم الوضع بإذن الله تعالى.

الواجب على زوجتك كذلك أن تتفهم الوضع الذي تمر به، والأصل أن تقف معك في الشدة، لا أن تزيد الضغط عليك، وخروجها بدون إذن، وتقصيرها في الحقوق الزوجية خطأ واضح، وتحميلك كل شيء دون مراعاة ظرفك غير منصف، فكل واحد منكما أخطأ، لكن السبب الجذري هو الأزمة، وليس فساد النية.

ثالثا: نوصيك بالتأني وعدم التعجل في اتخاذ قرار الطلاق.
فحياتك الزوجية عمرها عشرون عاما، وقرار الانفصال في لحظة أزمة يكون -غالبا- قرار هروب من الضغط، وليس حلا حقيقيا، وقد تندم عليه بعد زوال الأزمة، فعليك بالتأني والتحلي بالصبر، ففي الحديث عن النبي ﷺ: التأني من الله، والعجلة من الشيطان.

المرأة عاطفية جدا، ولذلك لو سمعت منك كلمة حانية لوجدتها تهدأ، وتتفهم ما تمر به وترضى بالقليل، وبهذا ستجد السكن النفسي في بيتك مع أفراد أسرتك.

لو سألت نفسك بصدق: هل المشكلة في شخص زوجتي أم في الظروف الحالية؟ لأجبت نفسك بنفسك: أن الظروف هي السبب، وإلا فزوجتك عاشت معك منذ عشرين سنة، لم تذكر في استشارتك أي صفة تكرهها فيها، فالظروف التي تمر بها هي التي أخرجت أسوأ ما فيكما من الصفات، وهذا يحدث في كل بيت.

رابعا: خطوات عملية لإنقاذ العلاقة.
1- خفف حدة التوتر، وذلك بأن تعلم بأن ما حصل لك أمر مقدر من الله تعالى، وهو نوع ابتلاء واختبار، فالرضا بالقضاء والقدر يريح النفس، واعلم أن الابتلاء عنوان محبة الله للعبد، يقول رسول الله ﷺ: إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط فعليك بالرضا بقضاء الله وقدره، وحذار التسخط، وإلا فالجزاء من جنس العمل.

2- لا تحاول معالجة المشكلة مع زوجتك وأنت غاضب؛ ففي وقت الغضب يدخل الشيطان الرجيم فيفسد تفاهمكما، فأجل الكلام إلى حين ذهاب الغضب والتوتر.

3- في وقت اشتداد الغضب عندك، قلل الاحتكاك بزوجتك، ولا تناقشها وأنت منفعل، بل الزم السكوت المؤقت، أو اخرج من البيت حتى يذهب عنك الغضب.

4- افتح معها حوارا مختلفا، بعيدا عن الجدل الذي يزيد المشكلة توترا، وجرب أن تغير طريقة الحوار، فمثلا قل لزوجتك: "هذه أزمة ستنتهي بإذن الله، وأنا أحاول الخروج منها، ونحن عشنا عشرين سنة بطمأنينة، لكن أقدار الله نزلت ولا راد لقضائه، وأنا لا أريد أن نخسر بعضنا بعد هذه السنوات، ولا نريد لأسرتنا أن تتفكك، فالصبر عاقبته حسنة، وأنت تعرفين طيلة هذه السنين ما قصرت في حقكم، ولعل الله يفتح علي وأخرج من هذه الأزمة، وسوف أعوضكم بإذن الله، والذي أريده منك أن تقفي معي في هذه المحنة، ولن أنسى لك وقفتك".

5- لا تتهمها بشيء، ولا تذكر أخطاءها وعيوبها، ولا ترفع صوتك عليها، حتى لو تكلمت بنفس طريقتها القديمة، فهدئ من روعها بالكلمات التي تشعرها بالمحبة والحنان والأمان؛ لأن مقصدك من الحوار هو كسر الحواجز النفسية التي حدثت بسبب المشاكل، لا كسب المعركة.

6- اعترف بنصيبك من الخطأ، حتى لو كانت هي مخطئة، فقل مثلا: "أنا أعترف أني كنت عصبيا ومضغوطا، ولعل هذا أثر عليك"، فاعترافك لا يضعفك، بل يهدئها ويجعلها أقرب للاعتراف بخطئها كذلك.

7- ضع حدودا بهدوء بعد التهدئة، ووضح الأمور الأساسية، فبين لها أن الخروج بدون إذن ليس صحيحا، وإغلاق باب العلاقة الزوجية غير مقبول، ولكن كل هذا يجب أن يكون برفق ولين، وبأسلوب هادئ لا تهديد فيه، والنبي ﷺ يقول: ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه.

8- إذا لم تتوصل إلى حل ولم يحدث تفاهم بينكما؛ فأدخل طرفا حكيما من أهلك أو أهلها، يكون مقبولا لديكما ومعروفا بالحكمة، فإن لم تجد فمستشارا أسريا.

9- افصل بين الأزمة المالية والعلاقة الزوجية، فلا تجعل المال يهدم الزواج، فالأزمة مؤقتة وسوف تنتهي بإذن الله تعالى، لكن الطلاق قد يكون قطعا للعلاقة دائما، وهدما للبيت، وتشريدا للأبناء.

10- اكتب خطة لترشيد النفقة، وقلل من الصرفيات في الجوانب التي ليست ضرورية، وذلك بالتفاهم مع زوجتك.

11- ابحث عن عمل مؤقت، يدر عليك مالا تستطيع من خلاله تنفيس الأزمة التي تمر بها.

خامسا: متى تفكر في الانفصال؟
التفكير في الانفصال يكون في حال استمر إهمال الزوجة المتعمد، أو رفضت الصلح والحوار، أو وصل الأمر للقطيعة التامة، لكن في الوقت الحالي ما زال الباب مفتوحا، فإن الله تعالى يقول: {إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما} أنت تمر باختبار صعب في باب الرزق والمحافظة على أسرتك، والكثير من البيوت تمر بهذه المرحلة، ومن يصبر ويحسن إدارتها يخرج من محنته أقوى مما كان.

أخيرا نوصيك بما يأتي:

1. الابتعاد عن الغضب، فالغضب سبب كل مصيبة، وقد جاء رجل للنبي ﷺ فقال: أوصني يا رسول الله، قال: لا تغضب، فردد مرارا، فقال: لا تغضب.

2. الزم الاستغفار وأكثر من الصلاة على النبي ﷺ، فذلك من أسباب تفريج الهموم وتنفيس الكروب، ففي الحديث: من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجا، ومن كل هم فرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب، وقال لمن قال له أجعل لك صلاتي كلها: إذا تكفى همك، ويغفر لك ذنبك.

3. أكثر من دعاء نبي الله يونس (ذي النون) فقد ورد في الحديث: دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت: {لا إلٰه إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين}، فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له.

4. أكثر من الأعمال الصالحة، فذلك سبب في جعل حياة المؤمن طيبة ومستقرة، يقول تعالى: {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون}.

5. تضرع بالدعاء بين يدي الله تعالى، وتحين أوقات الاستجابة، كالثلث الأخير من الليل، وأثناء السجود، وسل ربك أن يخرجك من هذه المحنة، وكن على يقين أن الله سيستجيب لك.

6. أكثر من هذا الدعاء، فقد ورد من حديث عائشة -رضوان الله عليها- أنها قالت: قال رسول الله ﷺ: إذا قال العبد: يا رب يا رب يا رب، قال الله: لبيك عبدي سل تعط، وعن عطاء، قال: ما من عبد يقول: يا رب، يا رب، يا رب، ثلاث مرات إلا نظر الله إليه، فذكرت ذلك للحسن فقال: أما تقرؤون القرآن: {ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان} إلى قوله: {فاستجاب لهم ربهم}، وقال يزيد الرقاشي عن أنس: ما من عبد يقول: يا رب يا رب يا رب، إلا قال له ربه: لبيك لبيك.

7. أكثر من الدعاء بيا ذا الجلال والإكرام، يقول ﷺ: ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام أي اجعلوها في دعائكم.

8. ابتعد عن الذنوب والمعاصي، فهي سبب من أسباب الحرمان وجلب المشاكل للبيوت، فإن النبي ﷺ يقول: وإن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه، ويقول: ما اختصم اثنان بعد مودة إلا بسبب ذنب أحدثه أحدهما أو كما قال ﷺ.

أسأل الله تعالى أن يقضي دينك، ويفرج همك، ويصلح ما بينك وبين زوجتك، وأن يجعل حياتكما سعيدة مطمئنة، آمين.

مواد ذات صلة

الاستشارات