السؤال
زوجي يتمتع بخلق ودين ومحافظ على الصلاة، ولديه صفات جيدة كثيرة، وأهله طيبون، لكن المشكلة تكمن في أنه بخيل عاطفيا جدا، ويغضب من مشكلات صغيرة جدا، ويطيل أمد الخصام، وأنا أكون في غاية الألم، وبمجرد أن يراني قد انهرت يأتي ليتحدث معي فأهدأ، ثم نتحدث ويعود الوضع أسوأ مما كان عليه.
قد يستمر في حال جيدة، ويحاول أن يتحسن لمدة شهر على الأكثر، ولكن عند أول موقف لا يستحق الذكر يعود إلى سابق عهده، وأعود أنا من جديد لأعوده على الكلام الطيب والقرب.
هو كريم في بيته ومع أولاده، ويخاف الله، لكن التفاهم معه صعب؛ فهو عنيد وبخيل عاطفيا، كنت أعيش عند أهلي والجميع يسمعني أعذب الكلام ويهتمون بي، أما هو فلا يوجد لديه اهتمام ولا كلام طيب، بل العكس تماما.
أشعر أنني أتعب ونفسيتي تزداد سوءا؛ لأن الاهتمام أمر ضروري بالنسبة لي وصعب عليه.
يقول لي: "تحمليني، فأنا لا أستطيع الحديث أو التغيير؛ لأنني هكذا نشأت، بطريقة تختلف عن نشأتك". لست أدري ماذا أفعل، فقد تعبت من الكلام والمحاولة، وحاولت التأقلم معه، لكني أشعر أنني أتدمر نفسيا من قلة الاهتمام.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ Lolo حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك أختنا الكريمة في شبكة إسلام ويب، وردا على استشارتك أقول، مستعينا بالله تعالى:
ما تعانين منه من الاحتياج العاطفي ليس أمرا نادرا في الحياة الزوجية، بل هو من أكثر المشكلات شيوعا، وبالأخص عند الأزواج الذين يكونون صالحين في دينهم، وناجحين في أداء مسؤولياتهم تجاه بيوتهم، فيظهر عند بعضهم الجفاف العاطفي، أو أنهم لا يستطيعون أن يظهروا عواطفهم عبر الألفاظ التي تدغدغ مشاعر المرأة، فيلجؤون لإظهارها بالطريقة العملية، كإكرام الزوجة بالأمور المادية، وعدم التقصير في احتياجات المنزل، غير أن المرأة لا ترغب في ذلك، أو لا تعير ذلك أي اهتمام؛ فالمرأة تغلب سمعها على نظرها، فهي تريد أن تسمع لا أن ترى.
سوف أجيبك على هذه الاستشارة من النواحي الشرعية، والنفسية، والأسرية.
أولا: من الناحية الشرعية.
من فضل الله تعالى عليك أن زوجك محافظ على صلاته، وقائم بواجباته، وكريم في النفقة عليك وعلى أبنائك، وحسن في أصله وأهله، فهذه نعم عظيمة لا يستهان بها، فكثير من البيوت تفتقدها.
في المقابل: الإحسان للزوجة ليس فقط ماديا، بل يشمل الكلمة الطيبة والاهتمام، ففي الحديث الصحيح: "والكلمة الطيبة صدقة"، ومن فعل النبي صلى الله عليه وسلم قوله لأمنا عائشة، بعدما سمع منها امتداح أم زرع لأبي زرع طيلة حياتها، ثم طلقها في نهاية المطاف، قال عليه الصلاة والسلام لأمنا عائشة رضوان الله عليها، مراعاة لمشاعرها: "وكنت لك كأبي زرع لأم زرع، غير أني لا أطلق"، فهذه الكلمة كانت عند أمنا عائشة رضوان الله عليها خيرا من الدنيا بما فيها.
بعض الناس يحسنون الكلام الطيب مع الأجانب، ولا يحسنونه مع أهل بيتهم، غير أن النبي صلى الله عليه وسلم بين ذلك بوضوح، فقد صح في الحديث: "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي"، والخيرية هنا تشمل الأمور المادية والعاطفية.
طلبك من زوجك الاهتمام العاطفي حق مشروع، وليس فيه أي مبالغة.
ثانيا: الجانب النفسي.
إذا أردنا أن نفسر ونفهم الجانب النفسي لما يحدث، فسنجد أن زوجك، رغم ما تعانين منه، ليس بالضرورة أن يكون قاسيا، بل ربما كان السبب أنه نشأ في بيئة فيها هذا الجفاف العاطفي، فنشأ فيها لا يسمع التعبير عن المشاعر؛ لذلك فهو، تقليدا لوالده مثلا، يرى أن الصمت يعني الرجولة، والتقليل من الكلام العاطفي يعني القوة، وهو بهذا لا يدرك أن الكلمة عندك تعادل الأمان النفسي، والمعنى من هذا الكلام أن المشكلة عنده ليست "بخلا متعمدا"، بل ضعف في المهارة العاطفية، وهذا تماما يشبه حال ذلك الصحابي الأعرابي الذي رأى النبي صلى الله عليه وسلم يقبل أحد أبنائه، فتعجب الأعرابي قائلا: أتقبلون الأبناء؟ فوالله إن لي عشرة ما قبلت أحدا منهم! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "وماذا أفعل إذا كان الله قد نزع من قلبك الرحمة؟"؛ فالعلة والسبب لدى هذا الصحابي أنه نشأ في بيئة جافة، فظهرت على أفعاله.
أنت كامرأة لديك "خزان عاطفي" يحتاج أن يملأ بالكلام والاهتمام، ولقد كنت معتادة على العيش في بيئة مشبعة عاطفيا؛ لذلك تشعرين الآن كأنك "محرومة" من شيء أساسي، وهذا مؤلم جدا بالفعل.
ثالثا: جملة في كلامك شعرت بأنها خطرة، وهي قولك: "أحس نفسي تتدمر"، فاستمرار الحرمان العاطفي قد يؤدي إلى اكتئاب، وفتور في العلاقة، ونفور أو برود عاطفي؛ لذلك لا يجوز تجاهل المشكلة، وبالمقابل لا تحل بالضغط أو الصدام.
رابعا: لماذا لا تنجح محاولاتك؟
يبدو أن عدم نجاح محاولاتك تعود لأسباب منها:
• أنك ربما تتكلمين معه وقت غضبه.
• أو يكون كلامك بأسلوب فيه عتاب كثير.
• أو أنك تطلبين منه أن يصبح شخصا آخر.
بالمقابل، هو يشعر بالعجز، كون الطبع غالبا عليه، أو يشعر بلذع الانتقاد، والنتيجة أنه ينسحب أو يعاند، وهنا تدخلون في دائرة من الضغط والألم والانفجار، وربما وصلتم لإصلاح مؤقت، ويمر وقت وتتكرر نفس المشكلة.
خامسا: خطوات عملية مهمة.
1- غيري أسلوب الطلب، وهذا يعد مفتاحا للحل، فبدلا من أن تقولي: أنت لا تتكلم معي كلاما عاطفيا، وأنت قاس، غيري الأسلوب، فقولي له: أنا أفرح عندما أسمع منك كلمة تشعرني بالعطف والحنان، وأحس بالأمان، ولما تقترب مني يتحسن مزاجي، وأصير كأني ملكت الدنيا، والخلاصة أن تركزي على مشاعرك لا على تقصيره.
2- ليكن طلبك محدودا.
بعض الرجال لا يفهمون التلميح، بل يريدون سماع الطلب المباشر، فبدلا من أن تقولي لزوجك: اهتم بي، غيري الطلب، فقولي له: أريد منك، ولو في اليوم، كلمة طيبة تشعرني بالأمان وأنك تحبني، وأتمنى، في حال حزني، أن أجد منك حضنا دافئا يطفئ ما في قلبي من الألم، ويشعرني بالحنان.
3- إن وجدت منه كلمة طيبة، فعززي ذلك بمدحه فورا، واحذري أن تتجاهليه، فمثلا قولي له: فرحت كثيرا عند سماعي هذا الكلام الذي خرج من فمك، وأكثري من مدحه والدعاء له، فهذا التعزيز يكسر عنده حاجز الحياء، ويهدم طبيعة البيئة التي عاش فيها؛ فالتعزيز يشجعه أكثر من عشرات الكلمات العتابية.
4- نوعي مصادر سعادتك، ولا تجعليها حكرا عليه ولا على كلماته، ومن ذلك علاقتك بأسرتك وصديقاتك، وأشغلي نفسك بأعمال تجلب لك السعادة والراحة النفسية، ومنها استغلال الوقت في الصلاة، وتلاوة القرآن، والذكر، فما ألذ الراحة النفسية التي يحصل عليها العبد من خلال التعبد لخالقه، وهذا كله ليس تقليلا من زوجك، ولكنه حماية لنفسك، وقديما قيل: "من وجد الله فماذا فقد، ومن فقد الله فماذا وجد".
5- اطلبي منه جلسة للتحاور الهادئ الهادف.
فاتفقا على وقت مناسب يكون كل منكما رائق المزاج، وعند تجاذب أطراف الحديث يمكن أن تقولي له بكلمات تشعره بالحب: "أنا لا أريد منك التغير بالكامل، ولكني أريد أشياء بسيطة وغير مكلفة، لكنها تفرق في حياتي وتعني الكثير، ولو سمحت أن نتفق على بعض الخطوات الصغيرة"، وعليك أن تجعلي الخطوات قليلة، وواضحة، وقابلة للتطبيق.
كوني على يقين أن التغير صعب، وعليك أن تتحملي وتصبري على زوجك، وتذكريه برفق ولين بين الحين والآخر.
6- افهمي حدود قدراته على التغير.
أمثال زوجك لا يمكن أن يتغيروا بسرعة إلا أن يشاء الله، ولن يصبح رومانسيا جدا كما تريدين إلا أن يشاء الله، لكن يمكن أن يحدث تحسن في تعامله معك بنسبة معقولة، وعليك أن تتقبلي تلك النسبة أيا كانت.
سادسا: متى نقلق فعلا؟
بما أن زوجك فيه صفات إيجابية، وقد ذكرتها في ثنايا استشارتك، فهذا مؤشر أنه جيد إلى حد ما، ولعل الجفاف العاطفي عنده مكتسب من البيئة التي عاشها وتربى فيها، ولذلك فالقلق الكبير يكون في حال ما إذا حصل إهمال كامل، أو تكررت الإهانات من قبله، أو كانت قسوته مستمرة ومتعمدة، وحصل منه تجاهل متعمد لمشاعرك بعد محاولات جادة وسلوك جميع الأساليب، فإن بلغ الأمر إلى هذا الحد، فهنا ينصح بما يأتي:
• التدخل الأسري الحكيم.
• أو استشارة مختص للدخول في حل لهذه المشكلة.
أخيرا: نوصيك بكثرة الدعاء بين يدي الله تعالى، وخاصة أثناء السجود، وفي الثلث الأخير من الليل، وغير ذلك من الأوقات، وسلي ربك أن يبصر زوجك بهذه العيوب، وأن يغير حاله معك لأحسن حال.
الزمي الاستغفار، وأكثري من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فذلك من أسباب تفريج الهموم وتنفيس الكروب، ففي الحديث: (من لزم الاستغفار، جعل الله له من كل ضيق مخرجا، ومن كل هم فرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب)، وقال لمن قال له: أجعل لك صلاتي كلها؟: (إذا تكفى همك، ويغفر لك ذنبك).
أكثري من دعاء ذي النون، فقد ورد في الحديث: دعوة ذي النون، إذ دعا بها في بطن الحوت: "لا إله إلا أنت سبحانك، إني كنت من الظالمين"، فإنه لن يدعو بها مسلم في شيء إلا استجاب له.
أكثري من الأعمال الصالحة، فذلك من أسباب جلب الحياة الطيبة المطمئنة، قال تعالى: (من عمل صالحا من ذكر أو أنثىٰ وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة، ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون).
والله الموفق.