السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا فتاة أبلغ من العمر 22 سنة، أعاني من مشكلة لا أفهم حقيقتها؛ أهي من نسج خيالي، أم أن شخصا بعينه كان معجبا بي حقا؟ فقد ظهرت علامات تدل على ذلك، ثم اختفت، ولا أدري هل كان إعجابا لم يدم، أم أن الأمر لم يكن إلا وهما؟
ومع ذلك، فإنني أفكر في الموضوع كثيرا، وأرجو المساعدة.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أمة الله حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلا بك، ونسأل الله أن يشرح صدرك، ويصرف عنك الحيرة، ويجعل قلبك متعلقا بالحق لا بالظنون، فإن مثل هذا التفكير يمر ببعض الناس، خاصة إذا وجدت إشارات غير واضحة، فيبدأ العقل في تفسيرها، ثم يعيد تفسيرها، حتى تتحول من موقف عابر إلى موضوع يشغل القلب والفكر، مع أن الأصل فيه أنه بسيط، لكن كثرة التفكير هي التي أعطته هذا الحجم.
- ما حدث قد يكون مجرد إشارات عابرة لا يقصد بها إعجابا، وقد يكون إعجابا لم يكتمل، وفي الحالتين النتيجة واحدة، وهي أنه لم يتحول إلى أمر واضح أو جاد، فالتفتيش في التفاصيل لن يغير شيئا في الواقع.
- المشكلة ليست في: هل كان معجبا أم لا؟ بل في أن ذهنك بقي معلقا بالسؤال، وكلما حاولت الإجابة رجعت لنقطة البداية، لأن هذا النوع من الأسئلة لا يملك جوابا يقينيا، فيبقى العقل يدور فيه دون نهاية.
- كثرة التفكير هنا تعطيك إحساسا أن الموضوع مهم جدا، بينما هو في الحقيقة احتمال من احتمالات كثيرة، لكن التكرار جعله يبدو أكبر من حجمه.
- الحل ليس أن تصلي إلى يقين، بل تقبلك أنك لن تعرفي الجواب الكامل، وأن هذا لا يضرك في شيء، لأن ما قدره الله كائن لا محالة، وسيأتي في الوقت الذي قدره الله حتما، وعليه فحياتك لا تتوقف على تفسير موقف مضى.
- لا تربطي قيمتك أو مشاعرك بهذا الأمر، لأن الإعجاب إن لم يتحول إلى خطوة واضحة محترمة، فلا يبنى عليه شيء، ولا يستحق أن يأخذ من قلبك هذا الحيز.
- إذا جاءك التفكير، لا تحاولي تحليله أو إكماله، بل اقطعيه بنقل نفسك لشيء آخر: عمل، قراءة، حديث مع صديقة، لأن الاسترسال هو الذي يبقيه حيا.
- من الطبيعي أن تميل النفس لمعرفة هل كانت مرغوبة أم لا، لكن الأهم أن تبنى العلاقات على وضوح واحترام، لا على إشارات محتملة وتفسيرات.
- مع الوقت، ومع تقليل التفكير، سيضعف هذا الانشغال حتى يختفي، لأن ما يغذيه الآن هو التركيز عليه، لا الحدث نفسه.
- أشغلي قلبك بما ينفعك، أهدافك، دراستك، عبادتك، تطوير نفسك، لأن الفراغ هو الذي يجعل هذه الأمور الصغيرة تكبر في الداخل.
- تذكري أن ما لم يكتب لك لن يكون، وما كتب لك سيأتيك بوضوح، لا بحيرة، فاطمئني ولا تتعبي نفسك بما لا طائل منه، فالمهم الآن أن تربطي قلبك بمعنى الإيمان بالقدر، فالمؤمن يعلم أن ما جاءه لم يكن ليخطئه، وما لم يأته لم يكن له، وأن تدبير الله أرحم وأحكم من كل الظنون، وقد قال تعالى: {ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ۗ ومن يؤمن بالله يهد قلبه}، وقال النبي ﷺ: واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك.
فحين يستقر هذا في القلب، يهدأ التعلق بما مضى، فتسكن النفس، وتمضي في حياتها دون أن تثقلها احتمالات لا تغير واقعا، ومع الوقت، ومع ترك الاسترسال، سيضعف هذا التفكير حتى يختفي، لأن ما يغذيه الآن هو التركيز عليه، لا الحدث نفسه.
فاللهم يا رب القلوب اصرف عنها الحيرة والقلق، واملأها طمأنينة ورضا، وارزقها ما فيه خيرها وسعادتها، وأبعد عنها ما يشغلها بغير نفع، إنك على كل شيء قدير، والله ولي التوفيق.