انقطع الخطاب وتوقفت حياتي وأشعر بعدم التوفيق!

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا فتاة عزباء، في الثانية والعشرين من عمري، وأعاني من تعطيل غريب وشامل في حياتي منذ سنتين، بدأ الأمر بنمط متكرر في الخطوبة؛ فكلما شعرت بالفرح وتخيلت مستقبلي مع الخاطب، يبرد فجأة وينسحب بلا سبب، حتى انفسخت خطوبتي الأخيرة بعد ثمانية أشهر، بمجرد أن شعرت بالأمان.

ومنذ ذلك الحين، انقطع الخطاب تماما عن بيتي، بعد أن كانوا يتقدمون لي بكثرة، وتوقفت حياتي المهنية، حيث أواجه مشاكل مفاجئة في العمل تؤدي إلى تركه، بالإضافة إلى ضيق شديد في صدري، ومشاكل عائلية مستمرة، وتعب جسدي.

أشعر بحالة "وقف حال" كاملة، وتكرار للفشل في كل خطوة، فهل ما أعاني منه هو تابعة، أو حسد وتعطيل؟ وكيف أفك هذا الحصار وأستعيد راحتي ورزقي؟

جزاكم الله خيرا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ مريم حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يوفقنا وإياك لصالح القول والعمل.

أختي الكريمة، بداية: لا بد أن تعلمي أن الدنيا جبلت على كدر، ومن طبيعتها تغير الأحوال، فلا تدوم على حال، ولا تستقر على قرار، والإنسان يعيش فيها تبعا لذلك؛ فلا سرور يدوم ولا كدر يبقى، قال تعالى: {يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه} وعلى المسلم الفطن أن يحسن الظن بربه أولا فهو الحكيم العليم الخبير، لذلك يدرك الحكمة من وجود هذه العوائق والأحداث في حياته، فأول ما ينبغي أن تلتفتي إليه هو فهم هذه القاعدة في الحياة بشكل عام، وفي سبيل تحقيق ذلك سأقدم لك بعض النصائح، وأسأل الله أن ينفعك بها، لتجاوز ما تمرين به.

أولا: الرضا بما قدره الله تعالى وحسن الظن به:
اعلمي -أختي الفاضلة- أنك في صبرك مأجورة، وعلى تحمل الأذى والاحتساب وحسن الظن بالله تعالى أنت على خير عظيم؛ فكل هذه الابتلاءات تجري بقدر الله تعالى، ويجب أن يستقر في قلبك أن النفع والضر بيد الله تعالى وحده وبتقديره، وليس كل ابتلاء دليلا على سخط الله أو غضبه على العبد، بل قد يكون لرفعة مكانته، أو لتكفير سيئاته، أو ليهيئه الله تعالى لما هو أعظم قدرا ومكانة.

لذلك ابتلى الله تعالى الأنبياء والصالحين وخيار هذه الأمة بأصناف البلاء، فقد جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال عندما سئل: أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلبا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة.

ثانيا: لماذا تشعرين بهذه المواقف؟ ولماذا تفسر بهذه الطريقة؟
النفس البشرية تتخذ مواقف سلبية أو إيجابية عندما يتكرر عليها موقف معين؛ فيحدث لها ما يعرف بـ "التحفيز الذهني القلق"، فيبدأ العقل بالتركيز المفرط والتأويل، فعندما تتكرر إخفاقات معينة، يقوم العقل بربطها ببعضها، كنوع من السعي الفطري للحماية، أو لفهم ما يحدث.

لذا: حين تكرر معك فشل الخطبة، بدأ عقلك يبحث عن "السبب" ليفسر هذا الأمر المقلق، ثم يربطها بالأسباب الأكثر احتمالا وقربا من نفسك، وعند عدم وجود سبب مباشر، تربط بأشياء بعيدة، وهو ما دفعك لربطها بالسحر أو الحسد، أو اعتقاد وجود جن يتبع الإنسان، وخصوصا النساء ليسبب لهن نحسا، أو تعطيل زواج، أو إسقاط حمل، وهو ما يعرف لديكم بـ "التابعة".

وعلى الرغم من أن العين حق كما أخبر النبي ﷺ، إلا أنه لا ينبغي التوسع في هذا الظن في كل ما يصيب الإنسان أو يحدث له؛ حتى لا يصبح الإنسان "مشلول الحركة" أو عاجزا عن أي بناء في حياته، خوفا من هذه الأمور، وفرارا من البحث عن الأسباب الواقعية، التي قد تحتاج إلى معالجة أو تطوير حقيقي.

ثالثا: هل اجتهدت في بذل الأسباب واستفراغ الوسع؟
أختي الكريمة، الأخذ بالأسباب من تقدير الله تعالى، وقد أمرنا بالعمل بها، مع عدم التعلق القلبي إلا بمسببها سبحانه؛ هذا الفهم سيدفعك للبحث عن جوانب القصور في الجانب العملي أو النفسي، والتي قد تكون سببا رئيسا في الكثير من الإخفاقات التي نتجاهلها أحيانا، ونربطها بأسباب روحية محضة، دون تفكير أو تصحيح.

رابعا: لا بد من كسر وهم العجز واستعادة الثقة:
أختي الفاضلة: عندما يبادر الإنسان باتخاذ قرار في قضية هامة ومحورية كالزواج أو العمل، تتسرب إليه مشاعر "قلق التوقع، أو خوف النتائج" فإذا حدث فشل أو إخفاق، يتسرب إليه شعور الرغبة بالتوقف التام عن المبادرة، خوفا من تكرار الفشل؛ وهذا ينعكس سلبا على الصحة الجسدية والنفسية مع الوقت كخمول، توتر، ضيق صدر؛ لذا لا بد من كسر هذا الوهم عبر مسارين:

الأول: فك الارتباط الشرطي: عقلك الباطن ربط "الأمان" بـ"الانسحاب"؛ وعلاج ذلك باليقين بأن المنع والمنح بتقدير الله لحكمة، وأن الابتلاء تمحيص وليس دائما عقوبة، وبهذا اليقين تربطين الأحداث بجانب إيجابي، فلا يتطور الخوف إلى وسواس.

الثاني: تعزيز التقدير الذاتي: لا تسمحي للظروف أن تهز ثقتك؛ فأنت شخص مبدع ولديك الكثير من النجاحات في حياتك، ومثل انسحاب الخاطب قد يكون صرفا لشر لا تعلمينه، أو لأسباب في تقدير الله هي لك خير، فلا تتجهي إلى التأويل السلبي دائما، فإن الله تعالى يقول: {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون}.

خامسا: الخروج من دائرة التفكير السلبي:
أختي الفاضلة، من أهم أسباب ضيق الصدر وتطور هذه التفسيرات هو الفراغ الفكري والنفسي والعملي؛ مما يسبب استمرار استجلاب المواقف السلبية وسوء تفسيرها؛ لذا عليك أن تخرجي من هذه الدائرة بأنشطة نافعة: بحفظ شيء من القرآن، وطلب العلم الشرعي، أو التميز والتطوير المهني، وأكثري من العبادات، والدعاء، والتضرع لله تعالى؛ لتجدي السلام في نفسك، وتذهب همومك، وانشغلي عن هذه الأفكار بأمور إيجابية، لتخرجي من بؤرة هذا التفكير، وما ينتج عنه من ضيق وهم، ليطمئن قلبك وتكون حياتك طيبة، قال تعالى: {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب}، وقال تعالى: {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة}.

ختاما أختي الفاضلة، بادري إلى الرقية الشرعية، والزمي أذكار الصباح والمساء، وأكثري من قراءة سورة البقرة؛ ففيها بركة وحفظ -بإذن الله-، ثم اعملي بأسباب النجاح الدنيوية، وفهم أسباب الخطأ والإخفاق، ثم انظري إلى أي حدث بنظرة متوازنة، لا تغلبي فيها الجانب السلبي فقط.

أختي، لفك "حصار التعطيل" لا بد أن يبدأ من داخلك؛ بالعمل والاجتهاد في إصلاح النفس وتغيير نظرتك للحياة، وإصلاح علاقتك بالله، وكل هذه الأمور ستختفي تماما بإذن الله تعالى، قال الله: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}.

وفقك الله، ويسر أمرك.

مواد ذات صلة

الاستشارات