السؤال
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته.
أنا بنت، أبلغ من العمر 21 سنة، تقدم لخطبتي أشخاص كثر، ولكن كان يتم الرفض من قبل الأهل لعدم مناسبتهم، ثم تقدم لي شخص ميسور ماديا، وأخلاقه حميدة، وأنا أحب شخصا آخر، ولكن لظروف خارجة عن إرادته لا يستطيع المجيء لأهلي حاليا، ويبعد عنا مسافة كبيرة.
أنا الآن في حيرة من أمري، أعرف أن هذه علاقة محرمة، لكن ماذا أفعل؟ هل لو قبلت رؤية الشخص الآخر، وكان هناك نصيب، ووافقت، أكون قد تخليت عن الشخص الآخر، ولم أعطه فرصة حتى يأتي لأهلي؟ لأنه ما زال أمامه خدمة عسكرية، والبحث عن وظيفة، وأبي لن يقبل به الآن، وأنا لا أعلم هل أقبل رؤية الشخص المتقدم لخطبتي، أم أرفض، وأنتظر الشخص الآخر؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ ندى حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك، وأسأل الله تعالى أن يشرح صدرك، وييسر أمرك، ويختار لك الخير حيث كان، ثم يرضيك به.
اعلمي، بارك الله فيك، أن الزواج رزق مقسوم ومكتوب لكل إنسان، من قبل أن يخلقه الله تعالى، واختيار العبد قد يتحقق، وقد لا يتحقق؛ فإن تحقق فذلك داخل تحت قول الله تعالى: (وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين)، فإرادة الله تسبق إرادة العبد، ولا يمكن لأحد أن يغير في ذلك، والإيمان بذلك جزء من الإيمان بقضاء الله تعالى وقدره.
أنت قمت ببناء علاقة حب مع ذلك الشاب، وبناء علاقة حب خارج إطار الزوجية أمر محرم، ونتيجته الحتمية تعلق القلب، والفتنة، والهم، وطول الانتظار للمجهول، وقد يضر بك من الناحية النفسية، وربما أدى ذلك إلى حرمان الرزق، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: "وإن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه"، والذي يتوجب عليك قطع تلك العلاقة، وعدم تعليق قلبك بأمر وهمي، وعليك أن تفكري بعقلك لا بعاطفتك؛ فذلك الشاب قد يتقدم وقد لا يتقدم، وإن تقدم فقد يرفض من قبل أهلك، أو أن أهله يقفون في وجهه فيمنعونه، فلا تعولي على تلك العلاقة لا من قريب ولا من بعيد، بل لا بد من التوبة، والتوقف، والامتناع عن التواصل معه، وعدم جعل الباب مفتوحا أمامه للتواصل معك.
أنت الآن واقعة بين حب عاطفي لشخص غير متاح، وفرصة واقعية لشخص مناسب ومتقدم، ولا يصح أن تفوتي هذه الفرصة بناء على حب مبني على الهيام.
لا تترددي في رؤية الخاطب؛ فالرؤية لا تعني القبول النهائي، بل هي وسيلة لاتخاذ القرار، فقد تجدين فيه ما يطمئن قلبك، فقبول النظرة الشرعية هنا ليس خيانة لأحد، بل ذلك من حقك ومن حق من تقدم لك، وبعد النظرة لا بد من التأكد من توفر الصفات التي حث عليها الشرع في هذا الرجل، وهي الدين والخلق، كما قال -عليه الصلاة والسلام-: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير)، فالدين والخلق صفتان متلازمتان لا تنفكان أبدا، وهما صمام أمان للحياة الزوجية السعيدة، وصاحب الدين والخلق إن أحب زوجته أكرمها، وإن كرهها سرحها بإحسان.
صلي صلاة الاستخارة كما ورد في البخاري عن جابر مرفوعا، وهي أن تصلي ركعتين من غير الفريضة، تقرئين فيهما بالفاتحة وما تيسر من القرآن، وقبل السلام من الصلاة تأتين بهذا الدعاء: (اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر (ويسمي حاجته) خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر (ويسمي حاجته) شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير ثم رضني به).
بالنسبة للحب لهذا الشخص، سيأتي -بإذن الله تعالى- تلقائيا، فالله هو الذي يقذف الحب في القلوب، كما قال سبحانه: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ۚ إن في ذٰلك لآيات لقوم يتفكرون).
بعد التأكد من توفر الصفات الحسنة فيه، وبعد صلاة الاستخارة، لا مانع من إبداء القبول به؛ فإن سارت الأمور بيسر وسهولة ولم تتعسر، فهذا دليل أن الله اختاره ليكون زوجا لك، وإن تعسرت ولم يتم الاتفاق بينه وبين وليك، فهذا دليل أن الله صرفه عنك.
إن فعلت ما ذكر لك، فليس في ذلك خيانة لأي أحد؛ لأن ما بينك وبين ذلك الشاب مبني على المخالفة الشرعية، فليس له حق أصلا حتى تقولين خيانة، بل الخيانة أن تكونوا على علاقة محرمة، فهذه خيانة لأمر الله، الذي حرم عليك الحديث مع الرجال، والدخول في علاقة خارج إطار الزواج، بل ما تقولينه هو من تلبيس إبليس عليك، لتظلي في المعصية وقتا أطول، ولتضيعي على نفسك الزواج بالحلال، وبناء أسرة مسلمة قائمة على الخير والبعد عن المعاصي.
خلاصة الخطوات العملية:
1. أوقفي التواصل العاطفي مع ذلك الشاب، توبة لله وحفاظا على دينك وقلبك.
2. وافقي على الرؤية الشرعية للخاطب الحالي.
3. استخيري الله تعالى، وتأكدوا من توفر الصفات فيه، وأهمها الدين والخلق.
4. لا ترفضي الخاطب إذا توفرت فيه الصفات المناسبة، ولا تبقي معلقة بأمل غير مضمون.
5. يمكنك الرفض في حال عدم توفر صفتي الدين والخلق.
الزواج مشروع عمر، لا يبنى على الحب فقط، بل هو مسؤولية، واستقرار، وتكافؤ، وقدرة، وقد يظن الإنسان في ما يحب أن ذلك خيرا له، وقد يظن أن في ما لا يرغب فيه شرا له، ولكن لا يعلم الحقيقة إلا الله تعالى، فقد قال سبحانه: (وعسىٰ أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ۖ وعسىٰ أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ۗ والله يعلم وأنتم لا تعلمون) استعيني بالله تعالى، واعلمي أن من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه.
أسأل الله تعالى أن يرزقك الزوج الصالح الذي يسعدك في هذه الدنيا، ويعينك على أمور دينك ودنياك، آمين.