السؤال
السلام عليكم
سؤالي عن الحد الذي ينبغي للمسلم أن يلزمه عند الانخراط في المجتمع الغربي في الأمور الدنيوية كالتعليم والعمل، وما شابه ذلك.
من المعلوم أنه يجب على الإنسان أن يكون نشيطا، ويكون علاقات في مجتمعه لتساعده في إيجاد الوظائف وغيرها، طبعا لا أعني أن نتأثر بهم بأي وجه من الأوجه الباطلة أو الخاطئة، وإنما سؤالي يتعلق بالعلاقات من أجل الدراسة أو العمل خصوصا، وما شابه ذلك، دون التأثر بباطلهم أو معاصيهم -إن شاء الله-.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ علي حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك في استشارات إسلام ويب.
نشكر لك دوام تواصلك بالموقع، ونسأل الله تعالى أن يوفقك لكل خير، وأن يحفظك من كل سوء ومكروه، ونشكر لك ثانيا -أيها الحبيب- حرصك على معرفة الحدود الشرعية والآداب المطلوبة التي ينبغي للإنسان المسلم أن يتأدب بها وأن يقف عندها؛ وهذا دليل على حسن إسلامك ورجاحة في عقلك؛ فنسأل الله أن يزيدك هدى وصلاحا وتوفيقا.
وقد أصبت -أيها الحبيب- كبد الحقيقة حين أدركت أن الإنسان بحاجة إلى التواصل مع من حوله من الناس لقضاء حاجاته وإصلاح دنياه؛ فالناس بالناس ما دام الحياء بهم.
ولكن هذه الخلطة مع البشر لا بد أن تكون مضبوطة بالضوابط الشرعية التي جاءت بها هذه الشريعة الغراء السمحة، بقصد الحفاظ على مصالح الإنسان المسلم؛ الحفاظ على دينه، والحفاظ على نفسه وعقله وماله ونسبه وولده، فهذه كلها مصالح عظيمة القدر جاءت الشريعة بجملة من الآداب والتوجيهات والأحكام لرعاية هذه المصالح وحفظها ودفع المفاسد وتقليلها.
ومن تلك الآداب التي جاءت بها الشريعة آداب الصحبة والخلطة؛ فقد حرصت الشريعة الإسلامية على تنبيه المسلم لأهمية اختيار الأصدقاء والأصحاب الذين يجالسهم ويقضي أوقاته معهم، وأن يجتهد في اختيار هؤلاء الأصحاب؛ لأن الإنسان مدني بطبعه، يتأثر بمن حوله وبالأشياء التي حوله.
وقد أثبت لنا النبي ﷺ أن الإنسان يتأثر بالحيوان الذي يطيل الجلوس معه والمخالطة له، فقال: السكينة في أهل الغنم، والفخر والخيلاء في الفدادين أهل الوبر؛ يعني أهل الإبل، فإذا كان الإنسان يتأثر بالحيوان ويكتسب منه بعض الأخلاق والصفات، فكيف إذا كان من يجالسه إنسانا بشرا مثله؟ فلا شك أنه يتأثر به ويؤثر عليه.
فلا غرابة أن تأتي الشريعة الإسلامية بالحرص على اختيار الأصحاب، فجاءت في هذا أحاديث كثيرة جدا في اختيار الأصحاب والرفقاء ومن تجالسهم؛ فقد قال ﷺ: المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل، وضرب مثلا لصاحب الصالح بحامل المسك: إما أن تبتاع (تشتري) منه، وإما أن يحذيك، وإما أن تجد منه ريحا طيبة، وضرب مثلا لرفيق السوء بنافخ الكير الذي يصهر فيه الحديد: فإما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحا خبيثة.
فهذا الاهتمام والاعتناء النبوي بأهمية الصحبة وضرب الأمثال لها وتقريب هذه الحقيقة إلى الأذهان؛ كل ذلك يبين أهمية اختيار الأصدقاء والجلساء.
لهذا نقول -أيها الحبيب-: ينبغي أن يكون هذا الهدف حاضرا أمامك، منصوبا بين عينيك عندما تختار من تجالسهم، ولا حرج عليك أبدا في مجالسة الكفار وإقامة علاقات عمل معهم وعلاقات منافع دنيوية؛ فهذا لا حرج فيه، والرسول ﷺ قد كان له جيران من اليهود، وكان يجيب دعوتهم إذا دعوه إلى الطعام، وهذا ثابت في أحاديث كثيرة، وتعامله ﷺ مع الكفار مستفيض في أحاديث كثيرة بأنه كان يتعامل معهم ببيع وشراء وزيارة، ونحو ذلك.
إنما ينبغي للإنسان أن يكون منتبها لجوانب التأثر بهم، وألا يجعلهم بديلا وعوضا عن الأصدقاء من المسلمين، إنما يخالطهم بالقدر الذي ينتفع بهم في دنياه، وبالقدر الذي يحاول أن ينفعهم في دينهم ويدعوهم ويؤثر عليهم، فعلاقاتك التي تسأل عنها هي من هذا الجنس أيضا؛ لا حرج عليك في أن تنشئ علاقات معهم من أجل الدراسة ومن أجل العمل، ولكن كن حذرا من التأثر بباطلهم كما ذكرت أنت في سؤالك.
نسأل الله تعالى أن يزيدك هدى وتوفيقا وصلاحا.