خُدعت ولم أُذنب.. كيف أواجه اتهامات أهلي وأستعيد حقي؟

0 2

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أنا شاب جامعي، تعرضت لعملية خداع واحتيال منظمة من سائق سيارة استغل استعجالي وتوتري، وأخذ مني مبلغا كبيرا جدا تحت التهديد النفسي، والإيهام بنظام شركة وهمي.

المشكلة ليست في المال فقط، بل في رد فعل والدي الذي شتمني بألفاظ قاسية متهما إياي بأنني عالة وسقيم العقل، وإخوتي يتهمونني بأنني أنفقت المال في القمار والمحرمات.

سؤالي لفضيلتكم:

هل يعد المؤمن الذي يخدع من قبل نصاب آثما أو ناقص عقل في ميزان الشرع؟

كيف أتعامل مع قسوة والدي واتهامات إخوتي الباطلة التي تجرحني نفسيا، وتكاد تفتك بتركيزي في دراستي؟

هل تحركي لعمل محضر في الشرطة لاسترداد الحق يعد من باب إحقاق الحق أم الصبر أولى؟

أرجو نصيحة لأهلي في كيفية احتواء ابنهم المظلوم بدلا من كسر نفسه.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أحمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكركم على تواصلكم معنا، وثقتكم بموقعنا.

فهمنا من رسالتك أخي الكريم أنك تمر بمحنة مركبة من جانبين: الأول هو الاحتيال المادي الذي تعرضت له، والثاني -وهو الأشد وطأة على نفسك- هو الجرح العائلي الذي جاء في وقت كنت في أمس الحاجة إلى الاحتواء والمساندة، وقبل أن نجيب على أسئلتك بالتفصيل، نريدك أن تعلم أن ما أصابك ليس عيبا فيك، ولا نقصا في عقلك، وأن قلمنا لا يمسك بحبر الإدانة وأنت في موقف المظلوم.

أولا: هل المؤمن الذي يخدع آثم أو ناقص عقل؟ الجواب القاطع: لا، لا إثم عليك ولا نقص في عقلك، الخداع والاحتيال جريمة يتحمل وزرها الكامل من ارتكبها، لا من وقع ضحيتها، وفي ميزان الشرع الحنيف، فإن حسن الظن بالناس والفطرة التي تميل إلى التصديق أمر محمود وليس مذموما، وقد مدح النبي صلى الله عليه وسلم البساطة في التعامل وحسن النية، فقال: (إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي)، وكون الإنسان يخدع لا يعني أنه أحمق، بل كثيرا ما يقع في فخ المحتالين المنظمين أذكى الناس وأكثرهم حنكة؛ لأن هؤلاء المحتالين يحترفون استغلال لحظات الضغط والاستعجال بالتحديد، وهو ما جرى معك، الإثم كل الإثم على من نصب الفخ، لا على من وقع فيه وهو لا يعلم.

والشاهد من السيرة النبوية أن الصحابة الكرام أنفسهم وقعوا في مواقف مشابهة، فقد وقع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم بئر معونة في كمين نصب لهم تحت راية الأمان، فكانوا ضحايا الغدر لا المذنبين به، وما زاد ذلك عند الله إلا رفعة لأقدارهم.

ثانيا: كيف تتعامل مع قسوة والدك واتهامات إخوتك؟ هذا هو الجرح الحقيقي الذي يؤلمنا معك، فالمصيبة المادية تعوض بمرور الوقت، أما كسر القلب بكلمات من أحبابنا فأثره يبقى طويلا.

لفت انتباهنا كثيرا تعبيرك: تكاد تفتك بتركيزي في دراستي، وهذه إشارة صادقة تدل على أن الجرح النفسي أعمق من الجرح المادي.

نقول لك بصدق بأن ردة فعل والدك وإخوتك جاءت من مكان الخوف والصدمة والقلق على المال، لا من مكان الكره لك أو الاقتناع الحقيقي بما قالوه، والإنسان حين يفاجأ بخبر صادم قد يقول ما لا يقصد، وقد أخبر بلسان من لا يعرف الحقيقة كاملة، غير أن هذا لا يعني أن ما قيل صحيح، ولا أنك يجب أن تبلعه صامتا، يقول الله عز وجل: ﴿وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم﴾ (الإسراء:53)، والشيطان يستغل لحظات الأزمات ليفسد ما بين أفراد الأسرة الواحدة.

من الأمور التي ستعينك في هذا الجانب:
أن تنتظر حتى تهدأ العاصفة الأولى، ثم تجلس مع والدك في وقت هادئ وتشرح له ما جرى بالتفصيل: ظروف استعجالك، وأسلوب التهديد النفسي الذي مورس عليك، وطبيعة المنظومة الاحتيالية التي ابتليت بها، كثير من الآباء حين يسمعون التفاصيل الكاملة تتغير مواقفهم، وإذا رأيت أن الأمر يحتاج وسيطا من عم أو قريب حكيم تثق به العائلة، فلا حرج في الاستعانة به.

وأما إخوتك، فالاتهام بالقمار اتهام خطير لا يقبل السكوت عنه، ومن حقك أن تدفع عن نفسك التهمة الباطلة بهدوء وحزم، ولك في يوسف عليه السلام أسوة حسنة، فقد اتهم بأفظع التهم، فصبر ودافع عن نفسه بالحق، وفي النهاية كانت براءته أجلى من الشمس.

ثالثا: هل تقديم بلاغ للشرطة واجب أم الصبر أولى؟ هذا سؤال وجيه، والجواب عليه واضح من الناحية الشرعية والحقوقية: اللجوء إلى الشرطة وتقديم البلاغ هو من باب إحقاق الحق لا الانتقام، وهو واجب ديني ومدني في آن واحد؛ لأن السكوت على المحتالين يبقي أبوابهم مفتوحة لإيذاء غيرك من الناس، قال النبي صلى الله عليه وسلم (انصر أخاك ظالما أو مظلوما)، فقالوا: يا رسول الله، ننصره مظلوما، فكيف ننصره ظالما؟ قال (تأخذ على يده)، أي تمنعه من الظلم، فكيف إذا كنت أنت المظلوم؟ السعي لاسترداد حقك ودفع الأذى عن غيرك هو نصرة للحق ذاته.

الصبر المحمود هو الصبر على الأذى الشخصي لا على الانسحاب من المسؤولية تجاه المجتمع، وتسجيل المحضر الرسمي يؤسس لملف قانوني قد يعين على كشف هذه الشبكة وإيقافها، حتى لو لم تسترد الأموال كاملة، فلا تتردد في ذلك، وخذ معك كل دليل تملكه.

رابعا: بخصوص النصيحة لأهلك في كيفية احتواء ابنهم المظلوم، في الواقع نشكرك على هذا السؤال الذكي الذي يكشف عن نضجك، وعمق مشاعرك نحو أسرتك رغم ما صدر منهم، ونقول لأهلك بكل محبة:

ابنكم أخطأ في التقدير لحظة تحت الضغط، وهذا يحدث لكل إنسان في أي عمر كان، المطلوب منكم الآن ليس المحاكمة، بل الاحتواء، الكلمة القاسية في لحظة الجرح لا تعلم ولا تصلح، بل تكسر ما بناه الزمن من الثقة، وابنكم الجامعي الذي يمر بهذه الأزمة يحتاج أن يرى وجوهكم ملاذا آمنا، لا محكمة تصدر الأحكام، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)، ومعاملة الابن المظلوم بالرحمة والتعاطف في أحلك لحظاته هي استثمار في أعمق روابط الأسرة، وهي طاعة لله قبل أن تكون تصرفا إنسانيا.

كلمة أخيرة إليك أخي الكريم:
أما والله إن الظلم لوم ** وما زال المسيء هو الظلوم
إلى ديان يوم الدين نمضي ** وعند الله تجتمع الخصوم

لا تدع هذه المحنة تسرق منك تركيزك الدراسي، أو ثقتك بنفسك، أنت لم تكن مهملا، ولم تكن ساذجا بالمعنى المذموم، بل كنت إنسانا يمشي في الطريق فنصب له من لا ضمير له فخا، وقد قال الله عز وجل: ﴿وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا﴾ (آل عمران:120).

إذا استمر الضغط النفسي الناجم عن هذه الأحداث يؤثر في دراستك ونومك وحالتك العامة، فمن الحكمة أن تستشير مختصا نفسيا، إذ إن طلب الدعم النفسي في الأزمات شجاعة لا ضعف.

نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يرد عليك حقك، وأن يصلح ذات البين في أسرتك، وأن يهديك سواء السبيل.

مواد ذات صلة

الاستشارات