السؤال
أنا فتاة أبلغ من العمر 18 سنة، وأبي متوفى، ولدي إخوة رجال غير أشقاء، ونحن الآن متفرقون وهم يريدون أن نعيش معهم، لكن أمي ترفض ذلك، هل يعد عقوقا لو تركت أمي وعشت مع إخوتي وزرتها بين فترة وأخرى؟ مع العلم أنني إن عشت مع أمي سيترتب على ذلك انقطاع صلتي بإخوتي، والبحث عن عمل؛ لأن أمي لا تملك مالا يكفينا، وإخوتي هم من يتكفلون بي.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ ملك حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يشرح الصدر للحق، وأن يرزقك الحكمة في الترجيح بين المصالح، وأن يعينك على بر والدتك وصلة الرحم، ودعينا نجيبك من خلال ما يلي:
1- الأصل الذي لا خلاف فيه أن الأم أحق الناس بالبر والصحبة والملازمة، وقد قال النبي ﷺ لما سئل: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، ثم قال: أبوك، فهذا التكرار ليس لفظا وفقط، بل تقرير لزيادة حقها وتقديمه.
2- إذا اجتمع حقان: حق الأم وحق غيرها من الأقارب، فإن حق الأم يقدم، خاصة إذا كانت محتاجة؛ لأن البر ليس مجرد زيارة، بل رعاية وملازمة وخدمة، وهذا لا يقوم به إلا الأقرب والألصق.
3- كلما كانت الأم أضعف أو أفقر أو أكثر حاجة، ازداد حقها تأكيدا؛ لأن الشريعة تبني الأحكام على الحاجة، وقد قال تعالى: ﴿وبالوالدين إحسانا﴾، والإحسان هنا ليس شكلا، بل قيام بما تحتاجه الأم حقيقة.
4- خروج البنت إلى إخوتها مع ترك الأم المحتاجة وحدها يخل بهذا الأصل؛ لأن فيه تقديم راحة أو مصلحة أخرى على حق متأكد، وهذا لا يكون من كمال البر.
5- رضا الأم له وزن عظيم، فإذا خرجت وهي غير راضية، مع حاجتها، فإن هذا لا يسمى برا؛ لأن البر يجمع بين الفعل الحسن وقصد الإرضاء، وقد قال النبي ﷺ: رضا الرب في رضا الوالد، وهذا في الوالدين، والأم أولى.
6- لا يفهم من ذلك أن كل خروج عقوق، بل إنما يكون كذلك إذا ترتب عليه:
إهمال حاجة الأم، أو إيذاؤها نفسيا، أو شعورها بالوحدة والخذلان، أما إذا أمكن الجمع دون ضرر، أو هي التي دفعتك لذلك عن رضا ورغبة، فالأمر يختلف.
7- القول بأن الإقامة ليست شرطا للبر صحيح في الأصل، لكنه يقيد بالحال، فإذا كانت الأم تحتاج إلى القرب والخدمة، صار القرب منها هو البر، لا مجرد خيار.
8- الإخوة لهم حق وصلة، لكن هذا الحق دون حق الأم، فلا يقدم عليها عند التعارض، بل يراعى بعد أداء حقها.
9- من البر الحقيقي أن تتحمل البنت بعض المشقة في سبيل أمها؛ لأن البر ليس راحة فقط، بل تضحية وصبر، وقد قال تعالى: ﴿واخفض لهما جناح الذل من الرحمة﴾.
ومع ذلك، ينبغي أن يكون الخطاب للأم أيضا بالحكمة، فلا تضيق عليها فوق طاقتها، بل يبحث عن حلول تخفف عنها، مع بقاء الأصل وهو تقديمها.
خلاصة الأمر: الأم مقدمة، ويزداد تقديمها مع الحاجة، والخروج عنها مع حاجتها وعدم رضاها ينافي البر، وقد يدخل في التقصير بحسب الحال، واعلمي أن من صبر على بر أمه واحتسب ذلك، فتح الله له أبواب الخير في الدنيا قبل الآخرة، فيبارك له في عمره ورزقه، ويجعل له القبول بين الناس، وقد قال النبي ﷺ: من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه، والأم أعظم الرحم.
وفي الآخرة يكون من أقرب الناس إلى رحمة الله، ويرجى له دخول الجنة من هذا الباب العظيم، فقد جاء رجل إلى النبي ﷺ يستأذنه في الجهاد، فقال: أحي والدك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد، فكان برهما مقدما على أعظم القربات، فمن قدم أمه وأحسن إليها، فقد أخذ بسبب عظيم من أسباب رضا الله، والفوز برحمته، فالبر أختنا ليس اختيار الأسهل، بل اختيار الأحق، والأم أحق، خاصة إذا احتاجت، فمن قدمها فقد أصاب، وهذا لا يعني قطع الصلة بالإخوة، بل التواصل معهم والاطمئنان عليهم.
نسأل الله أن يحفظك وأن يرعاك، والله ولي التوفيق.