السؤال
السلام عليكم.
خطبت منذ سنتين، ولم أكن حينها متأكدا من قبولي لجمال مخطوبتي، وبعد الاستشارة والاستخارة قيل لي إن عندي قلقا، وإنه علي أن أقدم، وإن الأمور ستتحسن مع الوقت، وإنني أبالغ في طلبي، وإنه لا أحد كامل.
قبل سنة تقريبا كتبنا عقد الزواج، ولكن شكوكي استمرت، وتسببت في حصول مشاكل بين مخطوبتي وأهلي، أدت إلى حصول طلاق أثناء فترة الخطبة بعد العقد وقبل الزواج، ومن بعدها عملنا عقدا جديدا، والآن تزوجنا منذ ٤ أشهر، ولكن لدي شعور مستمر بالندم على زواجي، وتفكير شبه مستمر بالطلاق.
طبعا ليست الأفكار على مستوى واحد، بل أحيانا أشعر بالرضا، وأقول إن المشكلة مني، ولكن سرعان ما تعود الشكوك والأفكار والندم.
أشعر أنني لم أحصل على ما كنت أتمناه رغم أن زوجتي يغلب عليها طابع التدين، والطاعة، والمحبة لي، ولكن بنفس الوقت عندها بعض الاهتمام الزائد بالماديات، وما يقوله الناس، ومستوى جمالها هو في أفضل الأحوال 6 من 10.
أنا نادم على إقبالي على الموضوع، وازدياد مسؤولياتي، للأسف لطالما انتظرت الزواج، فتساهلت في القبول، والآن لا أعلم ماذا أفعل؟ وكيف أخرج من الدوامة؟ لا أشعر بأنني أريد أي طفل منها، وأشعر أنه كان علي الانتظار أكثر.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ سائل حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -ابننا الفاضل- في الموقع، ونشكر لك الاهتمام، والحرص على السؤال، ونسأل الله أن يقدر لك الخير، وأن يعينك على الاستقرار والاستمرار.
والحياة الزوجية تحتاج إلى كثير من الصبر، خاصة في بدايتها، والكمال محال؛ فالرجل لا بد أن يدرك أنه لن يجد امرأة خالية من العيوب والنقائص، والمرأة لن تجد رجلا خاليا من النقائص والعيوب، فنحن بشر، والنقص يطاردنا، وطوبى لمن تنغمر سيئاته القليلة في بحور حسناته الكبيرة، من الذي ما ساء قط، ومن الذي له الحسنى فقط! كفى بالمرء نبلا أن تعد معايبه.
النقطة الثانية المهمة هي: أن النبي ﷺ وجهنا معاشر الرجال فقال: لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقا رضي منها آخر، وأنت أشرت إلى أن في الفتاة المذكورة -التي وضعها الله في طريقك، وارتبطت بها- ميزات؛ فعلينا أن نضخم الإيجابيات، وإذا واجهتنا السلبيات ندرك أن هذا من طبيعة البشر.
والإنسان لا بد أن يرى ويشكر نعمة الله -تبارك وتعالى- عليه، ويوقف التطلع والنظر إلى الأخريات؛ لأن الإنسان لو أطلق بصره فلن تكفيه نساء الدنيا وإن تزوجهن جميعا، كما قال ابن الجوزي؛ ولذلك الإنسان يتزوج ليعف نفسه، وليقصر بصره على زوجته الحلال، والشيطان دائما يريد أن يزين لنا ما ليس تحت أيدينا؛ لأن الشيطان يغرس الشكوك والأفكار، ويجلب الندم؛ لأن همه أن يحزن أهل الإيمان، وليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله، ولذلك أرجو أن تنتبه إلى هذا.
النقطة الثالثة: هي أن هذه المدة التي تزوجت فيها غير كافية للحكم على هذه العلاقة، والحكم على هذه الزوجة؛ لأن الحياة الزوجية تبدأ بالتعارف، والتعارف هو أن يتعرف على نمط حياتها، وتتعرف على نمط حياته، وبعد ذلك يقدم كل طرف تنازلات ليكون الملتقى في منتصف الطريق، ثم بعد ذلك نفهم النفسيات، ثم بعد ذلك يحصل تعاون فيما اتفق عليه؛ وهذا كله يقود إلى التعايش، والتأقلم، والتكيف مع الوضع الجديد.
ثم من المهارة في الحياة الزوجية أن يكون هناك توافق، ولذلك قالوا: "الرجل ينبغي أن يكون طفلا في أهله"، وميزة الطفل أنه يوافق يقال له "نلعب" يقول: "حاضر"، "نأكل" يقول: "حاضر"، هكذا، وهذا هو المعنى الجميل، والنبي ﷺ كان يوافق أهله.
كذلك أيضا من المهم جدا أن ندرك أن التآلف والقبول الكامل يحتاج إلى مرحلة وفترة؛ فالاستقرار الأسري هو نتيجة لتعاملات ومعرفة للشخصيات، فإذا تزوجها، ورضيها، وعرف أنها صادقة، أحبها أكثر، وإذا عرف أنها أمينة أحبها أكثر، وإذا عرفت أنه صاحب مروءة أحبته أكثر، حتى يحصل الوفاق في العلاقة الزوجية؛ لذلك فهو مشروع تراكمي يحتاج إلى بعض الوقت، ويحتاج إلى معرفة حقيقية.
كذلك فإن العلاقة الزوجية تصل إلى رتبة أن تكون الزوجة صديقة لزوجها؛ لأن الصداقة أمر مهم، والإنسان يتسامح مع أصدقائه، ويلتمس لهم الأعذار، فلو قال لك صديقك: هل آخذ منك أموالا تقول: "أكيد حلال عليك"، "صديقك عمل كذا مع أخيك، أو كذا" تقول: "أكيد أخي مخطئ"، فنحن أيضا ينبغي أن نلتمس هذا الجانب.
أما اهتمامها بالماديات: فهذا من طبع النساء؛ قال تعالى: {أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين}، فهذا طبع النساء، ولكن الإنسان إذا كان عنده مال فأولى الدراهم الدرهم الذي ينفقه على أهله، مع أهمية الاعتدال في الإنفاق، وترك الإسراف، وادخار الأموال؛ هذه كلها معان تحرض عليها الشريعة، ولا بد أن تكون، لكن الإنسان إذا استطاع أن يبذل فليبذل، وإذا كان عنده عذر، أو أن المسألة فوق طاقته، فعليه بالوعد الجميل: "أبشروا بالخير، إذا جاءنا الخير، عندي ظرف الآن، ولكن -بإذن الله- إذا جاءتني مكافأة، إذا كذا، أوفيكم ما تريدون، الإنسان حريص على أن يلبي طلبات أهله"، وهكذا مثل هذا الكلام الجميل.
وكذلك أيضا عليك أن تترك هذا التردد؛ فالعلاقة الزوجية تحتاج إلى ثبات واستقرار، وأيضا لا تشعرها في رغبتك في عدم إنجاب طفل؛ لأن هذا يزيد مخاوفها، ويفقدها أمنها، وعليك أن تدرك أيضا أن الزوجة تأتي برزقها، وأن الأطفال يأتون بأرزاقهم، ولذلك قال الله تعالى: {نحن نرزقكم وإياهم}، وفي الآية الثانية لما خفنا عليهم قال: {نحن نرزقهم وإياكم}، فالله هو الرزاق، والأطفال هم سبب لسعة الرزق.
وعموما لا بد أن تنظر لهذه العلاقة بهذه الأبعاد، وتجتهد في أن تركز على ما فيها من صفات جميلة، وجمال الجسد عمره محدود، لكن جمال الروح بلا حدود؛ فأنت تخرج من هذه الدوامة عندما تحتكم لقواعد الشرع، وتتأسى برسولنا ﷺ، ونسعد بمزيد من التواصل منك ومنها حتى تسمعوا التوجيهات، ونسأل الله أن يوفقكم، وأن يرفعكم عنده درجات.