السؤال
السلام عليكم.
أريد منكم نصيحة وتوجيها؛ لأنني أعاني نفسيا.
كنت أدرس في السنة الأخيرة من الثانوية؛ حيث بعدها يمكنني الالتحاق بالدراسات العليا، وإكمال المسار الأكاديمي، ولكن تعثرت أموري، ولم تحصل لي الفرصة للحصول على درجة جيدة، فلم أقبل في معظم الجامعات والمعاهد، والتحقت بتخصص لم أكن متخصصا فيه في الشهادة، وهو اللغة الإنجليزية؛ لأني كنت أدرس في المسار العلمي.
أنا الآن أعاني من مشاكل نفسية؛ لأنني لا أعرف هل أكمل في اللغة الإنجليزية، أم لا؟ وهل لها آفاق؟ وأحس بالندم والخوف من المستقبل، والضياع والحزن والفشل؛ لأنني لم أختر الغش، واخترت أن أتحمل مسؤوليتي في الامتحان، لهذا حصلت على درجة ضعيفة.
فكيف أتعامل مع هذا الابتلاء؟ وأريد منكم نصائح وإرشادات.
جزاكم الله خيرا.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ وسيم حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فبداية: أسأل المولى أن يلهمك الصواب في قراراتك، ويرشدك سواء السبيل، ثم أرجو أن تتفهم أن ما حدث معك ليس نهاية طريق، بل تحويل مسار، والفرق بينهما كبير جدا.
أول ما يستوقفني في رسالتك أمور طيبة ينبغي أن تحمد الله تعالى عليها:
الأول: أنك اخترت الصدق، ورفضت الغش، وتحملت نتيجة ذلك، وهذا في ميزان الله تعالى ليس خسارة، بل رفعة؛ قال ﷺ: "من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه"، وربما ما تراه اليوم تأخرا، هو في حقيقته حفظ لك من طريق لا يناسبك.
الثاني: أنك حي الضمير؛ تشعر بالمسؤولية، وتراجع نفسك، وهذه علامة حياة القلب لا موته، فاحمد الله تعالى، واشكر فضله عليك.
حقيقة فيما لمسته من رسالتك أنك الآن لا تعاني من تخصص الإنجليزية، أنت تعاني من فكرة داخل رأسك تقول: أنا فشلت، وانتهى مستقبلي، وهذه الفكرة غير صحيحة؛ فكم من إنسان لم يكمل تخصصه الأصلي، ثم أبدع في غيره إبداعا عجيبا! بل أحيانا يكون التخصص الذي جاءك اضطرارا هو باب تميزك الحقيقي؛ لأنك تدخله بعقلية مختلفة، وتجمع معه مهارات أخرى، والرجل قد يبدع في تخصص جاءه على غير رغبة، بل قد يتفوق فيه أكثر من تخصصه الأول؛ لأنه يتعامل معه كفرصة لا كعقوبة أو أمر واقع.
أما عن القلق من المستقبل:
فاسمع هذا المعنى الذي لو استقر في قلبك لهدأك كثيرا: قال الله تعالى: ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها﴾، وقال سبحانه: ﴿وعسىٰ أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم﴾، ما أنت فيه الآن مكتوب قبل أن تولد، ليس لأنك عاجز، بل لأن الله تعالى يسوقك لشيء لا تراه الآن، وتلك حكمة الحكيم الخبير، والنبي ﷺ قال: "واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك" فاهدأ؛ فليس بيدك تغيير الماضي، لكن بيدك صناعة القادم.
أما ماذا تفعل عمليا الآن؟ فأشير عليك بما يلي:
بداية: لا تتخذ قرارا وأنت مضطرب، لا تحسم: أكمل أو أترك، وأنت في قمة القلق، اهدأ أولا، ثم فكر.
ثانيا: انظر للإنجليزية كأداة لا كتخصص فقط، الإنجليزية اليوم ليست مجرد مادة، بل مفتاح للوظائف، للترجمة، للتعليم، للعمل الحر، للمحتوى الرقمي، لأبواب علمية عالمية، وقد تكون هذه اللغة جسرا تعبر به لأشياء أكبر.
ثالثا: استشر بوعي لا بعاطفة: اسأل طلابا في نفس التخصص، خريجين سبقوك في نفس التخصص، وتخصصات أخرى، انظر احتياجات سوق العمل، واجمع صورة واقعية، لا خيالات ذهنية مخيفة تسبب قلقك وخوفك.
رابعا: لا تعتمد على الشهادة فقط: هذه نقطة مفصلية؛ فالناجح اليوم ليس صاحب الشهادة فقط، بل صاحب المهارة، لذا ابدأ من الآن مع دراستك بتحصيل مجموعة من المهارات مثل: الترجمة، الكتابة، التعليم، التقنية المرتبطة باللغة، اجعل لك ميزة إضافية بجانب التخصص، وستفتح لك آفاقا في سوق العمل، وترفع من رصيدك حال المفاضلة مع الآخرين.
خامسا: نظم يومك ضد التشتت: لا تدرس بعشوائية، بل وزع مذاكرتك بين أوقات الذروة والتركيز، وبين أوقات الاستجمام والراحة؛ فإن ذلك أدعى أن تعود بنشاط، وتجد أثرها على نفسيتك وتركيزك.
سادسا: تعامل مع الاختبارات بعقلية جديدة: فالاختبارات ليست ساحة لإثبات أنك فاشل أو ناجح، بل مرحلة من الطريق فقط، الناجح فيها ليس بالضرورة أن يكون ناجحا في الحياة، والراسب كذلك، وهذا ليس مدعاة للتكاسل أو التفريط، وإنما أن تتزن في تفكيرك، وتثق في نفسك وقراراتك.
وأختم لك بما يطمئن القلب: قال تعالى: ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾، وقال ﷺ: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز"، أنت لم تضع، أنت فقط في بداية طريق لم تفهمه بعد، خفف عن نفسك، وامش خطوة خطوة، واجعل يقينك: أن الله تعالى لا يضيع من صدق معه، فتح الرحمن لك فتوحاته، ويسر دربك، وألهمك رشدك، وبلغك ما تتمنى.
والله الموفق.