هل حبي للدراسة الأكاديمية يعني أنني متعلقة بالدنيا؟

0 0

السؤال

أنا حاليا أدرس، وأطمح بشدة لدخول الكلية؛ فأنا أحب أن أكون إنسانة ناجحة، وحتى لو فشلت في أي شيء عموما، فإنني أقوم وأقف من جديد.

مشكلتي هي أنه لم يتبق سوى شهرين على امتحاناتي، وتفكيري مشتت جدا؛ فأنا أشعر بشوق كبير للكلية، خاصة أنني لم أدخلها بعد الثانوية، بل دخلت معهدا لمدة سنتين لأحاول من خلاله الوصول إلى الكلية.

يراودني إحساس بأنني بذلك "متمسكة بالدنيا"، وأعيش حرفيا في شتات فظيع بين علمي بأن الله قد حثنا على طلب العلم، وأن أول كلمة نزلت في القرآن هي "اقرأ"، وبين خوفي من أن يكون حبي لدخول الكلية ورغبتي في النجاح، يعني أنني متعلقة بالدنيا أو مشغولة بها عن الآخرة.

آسفة للإطالة أو لأن كلامي غير منسق، لكنني مشتتة، ولا أعرف ماذا أفعل.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سماء حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكركم لتواصلكم معنا، وثقتكم بموقعنا.

فهمنا من رسالتك -أختي الكريمة- أنك تمرين بمرحلة بالغة الأهمية في حياتك، وأن قلبك يحمل خليطا من الشوق والخوف والتشتت في آن واحد، ولا عجب في ذلك، فهذا ما يشعر به كل من بذل جهدا حقيقيا، وكان أمامه هدف عزيز على نفسه، وما قطعته منذ سنتين في المعهد، وأنت تحملين هذا الحلم، ليس أمرا هينا، بل هو شاهد على إرادة حقيقية ونفس كبيرة.

أود أن أتوقف أولا عند خوفك الذي ذكرته، وهو أن حبك لدخول الكلية وطموحك في النجاح، قد يكون تعلقا بالدنيا، وهذا سؤال يدل على يقظة قلبية جميلة، لكن دعيني أطمئنك: طلب العلم النافع ليس من التعلق المذموم بالدنيا، بل هو من أجل القربات وأعلى العبادات، وأول ما نزل من القرآن الكريم هو قول الله تعالى: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾، فجاءت البداية بالعلم لا بالعبادة المحضة، وهذا يدل على منزلته العظيمة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من سلك طريقا يلتمس فيه علما، سهل الله له به طريقا إلى الجنة)، فالطريق الذي تسلكينه الآن هو في حقيقته طريق إلى الله، إن صلحت النية.

والفارق بين طلب العلم المحمود، والتعلق المذموم بالدنيا هو النية والغاية، فإذا كنت تطلبين العلم لتكوني أنفع لنفسك ولأسرتك ولمجتمعك، ولتؤدي دورك الذي أودعه الله فيك، فهذه نية شريفة تكتب بها الحسنات، أما إن كان طلب العلم فخرا ومباهاة فحسب، فتلك مسألة تختلف، والظاهر من رسالتك أن نفسك نفس صادقة، تريد أن تنجح وتبني وتعطي.

أما التشتت الذي تعانين منه مع اقتراب الامتحانات، فهو من أكثر ما يواجهه الطلاب في هذه المرحلة، وعلاجه يكون بخطوات عملية منظمة، أولها أن تجعلي الأيام الباقية مقسمة على مواد وأهداف صغيرة محددة، لا على الامتحان ككتلة واحدة مرعبة، فبدلا من أن تفكري في شهرين أمامك، فكري في هذا اليوم فقط، وماذا ستنجزين فيه، ومن أعظم ما يعين على الثبات: أن تربطي جلسات مذاكرتك بأوقات الصلاة، فبعد الفجر ذهن صاف، وبعد العصر طاقة متجددة، وهذا الربط يجعل يومك منتظما بانتظام العبادة، لا بضغط الجداول المصطنعة.

ومن الأمور التي ستعينك بإذن الله على طرد التشتت، أن تبتعدي عن الهاتف في أوقات المذاكرة ابتعادا حقيقيا لا شكليا، وأن تتذكري دائما لماذا بدأت هذه الرحلة، فاللحظات التي تضعفين فيها، ارجعي فيها إلى المشهد الأول، إلى تلك اللحظة التي قررت فيها أنك ستصلين، وإن شعرت بثقل فتوضئي وصلي ركعتين، وادعي الله أن يجمع شتاتك، فإن الصلاة أعظم ما يعيد الروح إلى مركزها حين تتفرق.

يقول الشاعر:
وإذا كانت النفوس كبارا ** تعبت في مرادها الأجسام

فلا تستصغري تعبك، فهو علامة على نفس كبيرة تريد شيئا كبيرا.

نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل.

مواد ذات صلة

الاستشارات